الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قمة برشلونة.. و«قطب القيم»

30 أبريل 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 30 أبريل 00:29 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تلق قمة قوى اليسار التي احتضنتها برشلونة الإسبانية، في الأيام القليلة الماضية، الكثير من الاهتمام، إذ توارت خلف ضجيج الصراع الأمريكي الإيراني، والأوضاع المأوزمة في الشرق الأوسط، ولكنها حدث تجاوز الاستعراض والصور التذكارية، في مسعى لتشكيل قطب دولي يجمع قوى من الجنوب العالمي لمواجهة صعود تيارات اليمين المتشدّد في القارتين، الأمريكية والأوروبية.
خطابات الزعماء الذين شاركوا في «القمة التقدمية الدولية»، ومنهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس البرازيلي لولا داسلفا، أطلقت إنذارات مبكرة، وتحذيرات صريحة من انهيار النظام العالمي الحالي، وعودة الأفكار الفاشية والسياسات المتطرفة، التي لا تقيم وزناً للقانون الدولي، ولا تلتزم بالأخلاق والمكتسبات الإنسانية الموروثة عن عصور التنوير الحديثة. ومن المثير للاهتمام أن خطابات قمة برشلونة اليسارية لم تتحدث عن صراعات حدودية طارئة، أو أزمات اقتصادية عابرة، بل ركزت على التهديدات الوجودية للقيم التي تأسس عليها العالم المعاصر، وتوافقت عليها الأمم والشعوب لتكون المرجعية الحاكمة للعلاقات الدولية.
من العناوين البارزة التي أفرزتها القمة إصلاح الأمم المتحدة، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وحماية القيم الإنسانية المشتركة من سطوة موجات الشعبوية والتطرف، التي بدأت تأخذ أشكالاً غير تقليدية، وتتجلى في سياسات الإقصاء، والتمرّد، وتفكيك المؤسسات الدولية، واستخدام الأدوات الديمقراطية لتقويض الديمقراطية نفسها، وفتح الأبواب أمام الانغلاق وتقويض أسس التسامح والانفتاح، واستغلال التكنولوجيا المتقدمة في التلاعب بالوعي الجمعي، وتزييف الوقائع، ومحاولة تأجيج الكراهية، وتقسيم المجتمعات إلى معسكرات متناحرة.
الرسائل التي أطلقتها قمة برشلونة لا تستهدف بالضرورة كيانات وشخصيات تقع في دائرة الفعل حالياً، وإنما ترمي إلى بناء سدٍّ فكري وقيمي يحمي الأجيال القادمة من الانزلاق نحو التوتّرات الكبرى، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي كخيار وحيد لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وتحصين الوعي الجماعي ضد بروباغندا التشكيك في المؤسسات الناظمة للعلاقات بين الدول والشعوب، وحماية مؤسساتها بالتأكيد على أن القانون الدولي هو الضمانة الوحيدة للدول، الصغيرة والكبيرة، على حد سواء، وهو السقف الأعلى الذي لا يسمح لأي قوة، أو نظام بأن ينتهكه، ويخترق خطوطه الحمراء.
اجتماع قوى اليسار في برشلونة لا يهدف إلى إحياء الأفكار الاشتراكية أو الشيوعية، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل يهدف إلى صياغة بديل يستجيب لتعقيدات القرن الحادي والعشرين، عبر التركيز على مفهوم «العدالة الاجتماعية المستدامة»، واحترام القيم الموروثة التي أسستها الحضارات والتجارب البشرية، وأطّرتها الأديان السماوية عبر التاريخ الطويل. وكلها كانت ترمي إلى الرقي بالإنسان، وتذليل الصعاب لبناء حياة أكثر ثراء بالأفكار الإيجابية من تعايش وتعاون، واحترام للخصوصيات. ومثل هذا التوجه تبنّته قمة برشلونة، وسعت من خلاله إلى إعادة تعريف العلاقات الدولية والإنسانية، لتعكس بذلك إدراكاً عميقاً بأن استقرار العالم ليس نتاج توازنات القوة فحسب، بل هو ثمرة الالتزام بمرجعية أخلاقية وقانونية تتجاوز المصالح الآنية، وتؤسس لبيئة سياسية دولية تحترم التنوع، وتنبذ الانقسام، وتستطيع أن ترسم الخطط والاستراتيجيات لتحقيق ما أمكن من العدالة بعيداً عن النظريات الجوفاء والإيديولوجيات الهدامة، كما تعمل على تجاوز اللحظة الراهنة بالتفكير في المستقبل البعيد، وضمان كرامة الفرد، وحماية خصوصيته من التغوّل الرقمي في عصر التكنولوجيا، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمعات والشعوب التي باتت تواجه تحديات ميكروفيزيائية لم تعد تلحظها العين المجردة، أو يفك طلاسمها الذكاء الفطري.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه