الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

جسر من الضوء.. بتوقيع أوروبي

20 مايو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 20 مايو 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في كل عام أعود إلى مهرجان الفيلم الأوروبي في أبوظبي، لا بوصفه فعالية موسمية، بل علامة صغيرة على الطريقة التي تتغير بها المدن بهدوء. قبل ثلاث نسخ بدا المهرجان أشبه بنافذة نطل منها على أوروبا من بعيد، مدنها الباردة، شوارعها الضيقة، أبطالها الذين يمشون في أفلامهم ببطء يشبه الحياة نفسها. كنا نشاهد، ثم نخرج بانطباع جميل عن قارة تعرف كيف تقول الكثير دون أن ترفع صوتها، لكن شيئاً ما تغيّر هذا العام.
ربما لأن المهرجان نفسه كبر، فما كان محصوراً في قاعات أبوظبي، تمدد هذه المرة إلى رأس الخيمة. والأجمل أن برنامج الأفلام ترك مساحة لأفلام إماراتية قصيرة، لتجلس الحكايات المحلية إلى جانب أفلام أوروبية، بدون ذلك الإحساس القديم بأن هناك «ضيفاً» وآخر «صاحب بيت». فقط شاشة واحدة، وضوء واحد، وحكايات تتقاسم حقها الطبيعي في أن تُروى.
ربما هذا ما نجحت بعثة الاتحاد الأوروبي في الدولة في بنائه، بهدوء، عبر النسخ المتتالية للمهرجان: جسر ثقافي لا يقوم على الخطب بقدر ما يقوم على الحكايات. وحتى الرابع والعشرين من مايو، ستتنقل القاعة، ليلة بعد أخرى، بين بولندا واليونان وإيرلندا والتشيك ومالطا وليتوانيا ورومانيا ولوكسمبورغ وهولندا والنمسا وألمانيا وأوكرانيا وإسبانيا وفرنسا وسلوفينيا وإيطاليا، والإمارات أيضاً، لا كاستثناء محلي، بل كجزء طبيعي من هذا الحوار الطويل بين الشاشات والثقافات.
في الافتتاح، جاءت «غلوريا» من إيطاليا، فتاة تبحث عن صوتها وسط صرامة مدرسة داخلية في البندقية. وفي اليوم التالي، ظهرت على الشاشة وجوه إماراتية شابة تحمل كاميراتها إلى البحر والجبال والبيوت القديمة، وتبحث هي الأخرى عن لغتها الخاصة. لم يكن الفرق بين العالمين كبيراً كما يبدو في الخرائط، مجرد لغات مختلفة، وسماء تتغير فوق الشخصيات، بينما الأسئلة تكاد تكون واحدة.
وهنا تحديداً بدا المهرجان أكثر ذكاءً من مجرد عرض أفلام أوروبية. لم تكن الفكرة أن نشاهد أوروبا، بل أن تجلس الحكايات متجاورة دون أن تسأل إحداها من أين أتت. وهذا، ربما، أجمل ما يحدث للمدن حين تنضج ثقافياً: أن تتوقف عن التعامل مع الثقافات كزائرين.
في ظلام القاعة، وأنا أرى فيلماً إماراتياً يتوسط العروض الأوروبية، شعرت أن حركة صغيرة وقعت بصمت. لم نعد فقط جمهوراً يشاهد العالم من مقاعده الأمامية، بل أصبح لدينا مكان طبيعي داخل الصورة نفسها. وربما لهذا تبدو مثل هذه المهرجانات مهمة أكثر مما نظن، لأنها لا تجعلنا نرى الآخرين فقط، بل تجعل المدن ترى نفسها بطريقة جديدة أيضاً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة