فرصته في أن يعيدنا إلى أنفسنا، إلى جوهرنا الطيب، إلى معدننا الذي ربما غطته طبقات السرعة والانشغال والنسيان. العيد ليس موائد ولحوماً فحسب، بل موازين قلوب وأوزان مروءة، يختبر فينا شيئاً واحداً: هل لا نزال نرى الفضل فضلاً، أم صار كل جميل حولنا «حقاً مكتسباً» لا يستوقفنا ولا يُدهشنا؟
في كل بيت بطل صامت للعيد.. أمٌ تحمل على كتفيها تعب الأيام، ثم تبتسم كأن الأمر هين. زوجة تدير التفاصيل الكبيرة والصغيرة كي يبدو المشهد بسيطاً. عاملة تلم شتات الفوضى لتبقى الصورة أنيقة. عامل يسهر في الشارع والمحطة والمخبز ليبقى البيت عامراً بما نحب. هؤلاء هم «أهل الفضل» في العيد، إن غابوا اختل الإيقاع، وإن حضروا استقام النغم.
جميل أن نُحسن إلى الفقير البعيد، لكن الأجمل ألا ننسى من يقرع أبواب حياتنا كل يوم بإحسانه.
جميل أن نتذكر معنى الأضحية، لكن الأجمل أن نرى من ضحى براحته ليكتمل عيدنا. العيد ليس فقط ما نقدمه نحن، بل ما استقبلناه من عطاء غيرنا، ثم اخترنا: إما أن نمر عليه بلا اكتراث، أو نلتقطه بامتنان يليق به.
ما أيسر أن نقول: «هذا واجبه، وهذا عملها، وهذا دور الأم منذ الأزل». وما أعمق أن نقف لحظة ونسأل: من قال إن الفضل يفقد قيمته لمجرد تكراره؟
أهل الفضل في حياتنا يشبهون الورد الذي يزين حدائقنا في كل صباح، لوناً وعطراً وبهجة، أليس أولى بالشكر من عابر مر مرة واحدة وترك زهرة؟ الذين ينسجون بهجة العيد بخيوط الصبر والخدمة والمروءة أحق بأن نرد لهم الجميل، ولو بكلمة طيبة، بنظرة تقدير، بيد تمتد لا لتأخذ، بل لتخفف الحمل قليلاً.
العيد فرصة أن نغير اتجاه العطاء: أن نُكرِم من يُكرِمنا، وأن نحتفي بمن اعتاد أن يكون في الظل، وأن نقول لمن تعب لأجلنا: «هذا عيدك أنت أولاً».
لا نحتاج إلى خطب طويلة ولا شعارات كبيرة؛ نحتاج إلى قلب يفي، ولسان يعترف، ويد تبادر. نحتاج إلى أن نعيد لأهل الفضل مكانهم في صدارة المشهد، لا في هامش الصورة.
إن فعلنا ذلك، صار العيد ميزاناً نزيد به من رصيد الخير، لا من عدد الولائم. يصبح يوماً للقلوب لا للأطباق فقط، وموسماً نخرج منه أخف ذنباً، وأثقل وفاء.
حينها، لن يعرف العيد طريق الإفلاس أبداً، سيبقى ربحه صافياً في دفتر السماء، وفي دفاتر الناس الذين شعروا أن ما يبذلونه من حب وخدمة وفضل قد وُضع في مكانه الصحيح من التقدير.
