أصبح من السهل اليوم أن يعيش الإنسان مشغولاً إلى درجة لا يجد فيها وقتاً لأقرب الناس إليه. فتكون الأيام مزدحمة، والمسافات تفصل أفراد العائلة الواحدة، والتواصل قد يصبح في بعض الأحيان رسالة سريعة ليطمئن الإنسان أنه لم يقطع تماماً. لكن هذا النوع من التواصل، رغم سهولته، لا يبني العلاقة العميقة، ولا يعوض اللقاء الحقيقي الذي يجمع الأرواح وينشر الألفة.
وقد أولى الإسلام هذه الصلة مكانة كبيرة، حتى قال رسولنا عليه الصلاة والسلام عن صلة الرحم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». وهذا التأكيد يكشف أن صلة الرحم ليست أمراً ثانوياً ينتظر حتى يفرغ الإنسان، بل قيمة لها وزنها، وأثرها يعود على صاحبها كما يعود على من يصلهم، وتأثيرها يصل للمجتمع ككل.
ما يحدث حين يتم إهمال هذه الصلة أن العلاقة لا تنقطع فجأة، بل تذبل ببطء. يقل التواصل قليلاً، ثم يقل أكثر، ثم تمر المناسبات دون لقاء أو تكون فقط اتصالاً هاتفياً أو رسالة من السنة للسنة، حتى يجد الإنسان أن بينه وبين أقاربه مسافة لم يقصد أن يصنعها لكنها تكبر بحجة «مشاغل الحياة». وحين تكبر هذه المسافة يصبح ردمها صعباً، لأن العلاقة التي تفككت على مدى السنوات لا تعود بسرعة، وتحتاج إلى جهد أكبر بكثير من الجهد الذي كان سيبقيها قائمة.
هنا تظهر قيمة المناسبات والأعياد. هي فرصة جميلة وممتازة لإعادة أواصر التواصل وصلة الرحم، وتجمع الأقارب رغم تباعد أيامهم. اللقاء في هذه المناسبات يجدد الحيوية في العلاقات، ويعيد لكل فرد إحساسه بأنه جزء من مجتمع ينبض بالحياة. وحتى من يرى في هذه اللقاءات عبئاً أحياناً، يكتشف أنها تمنحه انتماء لا يدرك حاجته إليه إلا حين يغيب.
والحقيقة التي يدركها الكثير من الناس في وقت متأخر هي أن الأقارب لا يبقون إلى الأبد، وأن فرص اللقاء بهم محدودة وإن بدت ممتدة. الأسماء التي تتأجل زيارتها من سنة إلى سنة قد لا تبقى حاضرة حين يقرر الإنسان أخيراً أن يصلها. ومن يفهم هذا لا يؤجل، لأنه يعرف أن صلة الرحم ليست لها فرص لا تنتهي، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يصل أهله وهم حوله، لا أن يتمنى لو فعل حين يصبح ذلك غير ممكن، لذلك يجب أن ندرك أن العيد قد يكون فرصة للجميع لفتح صفحة جديدة والالتفات لأمر مهم قد نكون غافلين عنه.
