يواصل القصدير، أصغر عقود المعادن الأساسية في بورصة لندن للمعادن، تحدي منطق السوق بصورة لافتة.
ويجرى تداول عقود القصدير لثلاثة أشهر في بورصة لندن عند مستوى 55,225 دولارا للطن المتري، بالقرب من أعلى مستوى تاريخي بلغ 59,040 دولارا، والذي تم تسجيله خلال موجة الارتفاع المحمومة في أسواق المعادن في يناير/ كانون الثاني الماضي. للمقارنة، فإن الرقم القياسي السابق كان عند 51 ألف دولار للطن، في مارس/ آذار 2022، عندما قفزت أسعار المعادن رداً على الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
وارتفع سعر القصدير في لندن بنسبة 36%، منذ بداية العام، ليكون من بين أفضل المعادن أداءً. ويأتي الألمنيوم في المرتبة التالية بارتفاع نسبته 23%، مدفوعاً بصدمة غير مسبوقة في الإمدادات، بعد فقدان إنتاج منطقة الخليج بسبب الأوضاع الجيوسياسية. أما القصدير، فعلى النقيض، ظل وضع الإمدادات فيه يبدو مستقراً نسبياً مقارنة بالسنوات الماضية. كما ارتفعت المخزونات في بورصة لندن، في حين تشير فروق الأسعار الزمنية إلى عدم وجود نقص فعلي في السوق.
وهذا يثير تساؤلاً مهماً: كيف لا يزال سعر معدن يُستخدم في اللحام والتغليف يتداول عند هذه المستويات التاريخية المرتفعة؟
لا يمتلك القصدير تعرضاً مباشراً للحرب في الخليج، بخلاف الألمنيوم والنيكل والنحاس، وتشير تقديرات الرابطة الدولية للقصدير إلى أن إنتاج المناجم العالمي يتجه للنمو بنسبة قوية تبلغ 8.7% هذا العام. كما بدأت مناجم «مان ماو» في ميانمار تستعيد نشاطها تدريجياً بعد فترة توقف طويلة، في حين استقر الإنتاج في منجم «بيسي» بجمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد الإغلاق المؤقت في العام الماضي. وفي الوقت نفسه، تجاوزت واردات الصين من مركزات القصدير مستوى 15 ألف طن شهرياً، للمرة الأولى منذ عام 2023.
ورغم ذلك، لا يزال إنتاج القصدير المكرر يحتاج إلى مزيد من الوقت للحاق بنمو المعروض، إذ من المتوقع أن ينمو الإنتاج العالمي بنسبة 2.7% فقط هذا العام، وفق عرض قدمه محلل السوق في الرابطة الدولية للقصدير، هوانبو تشين، خلال أسبوع بورصة لندن للمعادن في آسيا.
في المقابل، من المتوقع أن ينخفض الاستهلاك العالمي بنسبة 0.7%، متأثراً بتباطؤ تركيبات الطاقة الشمسية في الصين، والتداعيات الأوسع للحرب الإيرانية على الطلب الاستهلاكي للأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى الأسعار المرتفعة تاريخياً.
وتشير المعطيات الأساسية للسوق إلى تحرك تدريجي نحو التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يظهر بوضوح في ارتفاع المخزونات المرئية في البورصات، فقد ارتفعت مخزونات بورصة لندن بنسبة 60% منذ بداية العام، لتصل إلى 8,660 طناً. وعند احتساب المخزونات خارج مستودعات البورصة، إلى جانب مخزونات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، تقترب المخزونات العالمية في البورصات من 20 ألف طن، مقارنة مع 11 ألف طن فقط في أكتوبر الماضي.
وبالمقارنة مع التقلبات الحادة في الأسعار الفورية، فإن فروق الأسعار الزمنية في بورصة لندن تتحرك بشكل جانبي ضمن حالة «كونتانغو» مريحة، ما يعكس غياب الضغوط الفورية على الإمدادات.
لكن كل ذلك لم يردع المستثمرين الذين ما زالوا يراهنون على مزيد من الارتفاعات السعرية، خصوصاً في السوق الصينية، ورغم انحسار موجة الحمى التي اجتاحت المعادن في يناير، فإنها لم تنتهِ بالكامل بعد، إذ لا تزال التداولات على عقود القصدير في بورصة شنغهاي عند مستويات مرتفعة للغاية.
*كاتب متخصص في أسواق المعادن (رويترز)
