الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قلب مفاهيم الصراع

30 مايو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 30 مايو 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الحرب التي تدور رحاها مع الاحتلال الإسرائيلي ليست حرباً عسكرية بالمفهوم التقليدي، فهي حرب معقدة، ومتشابكة في أهدافها، وأدواتها، لكن أخطر ما في هذه الحرب هو أنها حرب يستهدف فيها الاحتلال الوعي العربي، من خلال قلب الموازين والمصطلحات والمفاهيم، لمصلحة استمرار الاحتلال، وتقبّل الغطرسة الإسرائيلية، كأمر واقع، ما يعني أن هذه الحرب لا تخاض بالسلاح وحده، وإنما بالكلمة، والصورة، والسردية التاريخية، والعقل، ما يفسر طول زمن الصراع، وتنقّله بين ميادين السلاح إلى ساحات الفكر، والإعلام، والوجدان الإنساني، حيث تسعى حكومة اليمين الإسرائيلية المتطرفة لفرض رؤيتها في التعامل مع حيثيات وتفاصيل الصراع على حساب المصالح العربية، وبما يتماشى مع أهدافها التوسعية الاستعمارية.
أما المقصود بتغيير أو قلب المفاهيم فهو محاولات الاحتلال الإسرائيلي تزييف الحقائق التاريخية للصراع، وفرض مصطلحات تخدم الأهداف الإسرائيلية، ما يمثل في الواقع الجانب الأخطر في هذا الصراع الممتد، ذلك أن التوصيف الحقيقي للصراع وهو احتلال عسكري إسرائيلي لفلسطين، وأراضٍ عربية أخرى، ومطالبة الشعب الفلسطيني، أو غيره، بحقه في تحرير أرضه وفقاً للقانون الدولي، سعت الماكينة الدعائية لإسرائيل والقوى الداعمة لها إلى تصوير هذا الصراع على أنه «حرب إسرائيلية مشروعة» ضد الإرهاب، أو ما أطلق عليه الإعلام الإسرائيلي والغربي العداء للسامية، ومحاولات هذا الإعلام المنافق تحويل إسرائيل إلى «الضحية» المستهدفة في محيطها، وتصوير العرب كرافضين للتعايش، من خلال الاستعانة بالأساطير، التاريخية والدينية، التي تستخدم لتسويق السردية الإسرائيلية.
وتتلاعب إسرائيل بالكثير من المصطلحات على جميع الجبهات التي تسبّب بإشعالها العدوان الإسرائيلي، ومن هذه المصطلحات مصطلح «وقف إطلاق النار» الذي تسعى حكومة الاحتلال العنصري الإسرائيلي إلى إفراغه من مضمونه، ليصبح هُدَناً مؤقتة لإدارة التصعيد، بدلاً من إنهاء الحرب، كما ظهر جلياً خلال الحرب على غزة التي تستمر فصولها رغم الإعلان الشكلي عن وقف إطلاق النار، وما يجري الآن في لبنان، حيث يسعى قادة الاحتلال الإسرائيلي إلى إدخال المنطقة في متاهات المصطلحات من أجل استمرار الجرائم الإسرائيلية، وكسب الوقت لتنفيذ مخططاتهم التوسعية المعدّة سلفاً للمنطقة، بدعم وتشجيع من القوى الاستعمارية الغربية، لا سيما الولايات المتحدة التي تمنح الاحتلال الغطاء السياسي، وأدوات جرائمه المتواصلة بشحنات الأسلحة التي لا تتوقف.
ففيما تؤكد إسرائيل باستمرار، وتحديداً عبر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، أنها مستعدة للموافقة على وقف إطلاق النار ترفض في الوقت ذاته «إنهاء الحرب»، بشكل قاطع، محتفظة بحقها المزعوم باستئناف القتال وفق ما تمليه مصلحتها، كما تستخدم فترات الهدنة كأمر واقع لفرض مناطق أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية، أو في غزة، وتتذرع بالدفاع عن هذه المناطق لشن غارات، واختراق الهدنة، متى رأت تهديداً أمنياً، راسمة خطوطاً حمراء وصفراء هدفها احتلال المزيد من الأرض العربية، وارتكاب الكثير من جرائم القتل والتدمير، بحيث يكاد لا يمضي يوم من دون قيام قوات الاحتلال بعمليات قصف لأهداف مدنية، موقعة المزيد من الشهداء والجرحى سواء في قطاع غزة أو في لبنان، حيث تسعى إسرائيل، وعلى الجبهتين، إلى إفراغ أيّ اتفاق لوقف النار من محتواه وتحويله إلى مجرّد مكسب سياسي يفرض شروطاً جديدة، مثل نزع السلاح وإعادة ترتيب القوات، معتبرة أن الاتفاقيات ملزمة للطرف الآخر فقط، علماً بأن وقف إطلاق النار يُعرّف قانونياً بأنه وقف جميع أعمال العنف ضد السكان المدنيين،
وتكفي الإشارة هنا إلى أن حصيلة الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في غزة بلغ 906 ضحايا، و2,747 مصاباً، فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية لضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى 3269 ضحية، و9840 مصاباً، ولا يزال البعض لا يخجل عندما ينظّر ويتحدث عن وقف إطلاق النار، أو خفض التصعيد، أو «وقف الأعمال العدائية»، وغيرها من المصطلحات التي فقدت معناها، ولم تعُد سوى مادة للنقاش والتنظير في الصالونات، وعلى شاشات التلفزة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة