كان ذلك في عام 1981، وكان الروائي والشاعر والمثقف السوري الأستاذ محمد الماغوط قد انضم لـ«الخليج»، ليترأس القسم الثقافي، الذي إضافة إلى المادة الثقافية اليومية كان يعمل على إصدار الملحق الثقافي الذي تميزت به «الخليج» لسنوات طويلة.
وأعتقد أنه إذا ما قيض لأحد الباحثين الأكاديميين إعداد أطروحة عن الصحافة الثقافية العربية فسوف يكون ذلك الملحق من أهم مكونات حالة الدراسة.
وكنت أكتب آنذاك زاوية أو عموداً يومياً هو «قضية»، ينشر في أعلى يسار الصفحة الثالثة، وذات يوم صحوت على سؤال من زوجتي الدكتورة فاطمة، بدا استنكارياً أكثر منه استفهامياً: أليس لديكم من ينسق نشر المواد الصحفية في الجريدة.. أنت تكتب مهاجماً المهرج في الصفحة الثالثة والعنوان الرئيسي لصفحة الثقافة هو عرض مسرحية المهرج لمحمد الماغوط في الكويت؟!
وبعدها بساعات استدعيت للجريدة: «الأستاذ تريم يريدك الآن»!
وذهبت ودخلت مكتب الأستاذ تريم، ووجدت الأستاذ الماغوط جالساً يدخن، وشكل الجلسة غير مريح.. ودخل صاحب الجريدة في الموضوع: الأخ الماغوط غاضب من مقالك.. وإما أن يترك الجريدة أو تتركها أنت؟!
ورددت بأننا يجب أن نحتكم لمضمون تعاقدنا مع الجريدة، الذي هو -بالنسبة لي- استنهاض همة الأمة والتركيز على إيجابياتها.. وهذا هو ما أكتب باتجاهه، ولا أدري هل هذا سارٍ على الجميع أم أن الأستاذ الماغوط مستثنى، لأنه يركز على مساوئ ومثالب الأمة العربية؟
وانطلقت ضحكات مدوية من ثلاثتنا، وتبرع الأستاذ تريم بدعوتنا للغداء في أحد المطاعم بالشارقة.
كنت قد كتبت عن «الندابة والمهرج»، وكيف أن الناس تستأجر الندابة بالمال لتكثيف لحظة الحزن، وتستأجر المهرج لتكثيف لحظة البهجة، وكلاهما دخيل على اللحظة.. وهكذا بعض الكتاب.. مثل الندابة والمهرج دخلاء على لحظة الأمة ولا علاقة لهم بتاريخها وحضارتها وعقيدتها.
ولم أفطن إلى أن للماغوط مسرحية اسمها «المهرج»، فتصور أنني أحط من شأنه.. ومر الموقف وصرنا أصدقاء مقربين إلى أن رحل رحمة الله عليه هو والأستاذ تريم.
