أليس من دماثة التكوير، ألّا يدع القلم عمود الأمس وحيداً؟ اليوم ركلات الجزاء وفيرة والبطاقات الصفراء والحمراء كثيرة. هل لديك فكرة عن تعداد الخلائق، التي راحت ضحية في حب المستديرة؟ لا أقل من خمسين ومئتي مليون عربي. الموضوع اليوم أخطر من أن الاثنين والعشرين بلداً، تشكل فريقين لا تنقصهما المهارات في المباريات غير الودية.
لا يوجد عربي يرى إمكانية اللعب بفريق من ستة لاعبين أو سبعة، أمام فريق مكتمل النصاب، خصوصاً في المباريات التي يكون الواحد فيها كألف. تخيّل منتخب فرنسا بستة لاعبين أمام 11 بلدوزراً ألمانيّاً. هل من عربي، عاقل أو غافل، له رأي معاكس؟
لكن هذا الإدراك سطحي، فالمهم هو تقليب الأفكار على وجوهها، واختبار مفاعيلها في ميادين شتى. الفكرة مثل الجوكر، أو المفتاح الملك الذي يفتح أقفالاً مختلفة، إذا لم تكن على قلوبٍ أقفالُها. تقليب الفكرة على وجوهها يشبه الاشتقاق الأكبر، مثل ثلاثي الباء والحاء والراء، الذي تعطينا قلباته: بحر، برح، حبر، حرب، ربح، رحب، وكلها تشترك في الاتساع. الفكرة المجردة تتخذ أحياناً أبعاداً لا حدود لها. عندما كان كارل ماركس يدرس الفلسفة، درس هيجل، فأحدثت إحدى مقولاته في ذهنه زلزالاً: «إن كل فكرة، تحمل في طيّاتها بذور فنائها»، فقال في نفسه: «إن البورجوازية فكرة فهي إذاً تحمل في طياتها بذور فنائها». قصة «رأس المال» والاشتراكية والشيوعيّة إلخ، معروفة.
الآن لدينا في العالم العربي أكثر من مئتي مليون من الأدمغة المتكورة، الذين يعرفون استحالة خوض مباراة بنصف عدد اللاعبين، من بينهم مئات الألوف في مواقع مهمة من الوزارات والمؤسسات في جميع المجالات، إلا أنهم يعاملون الأفكار الحساسة والموازين الوازنة بلا مبالاة وعدم اكتراث. ما أصغر معرفة أن اللعب بنصف الفريق جنون، في مباراة مصيرية. الأمخاخ التي تعلم ذلك لا تتساءل: وكيف لا يحرك العرب، ولا جامعتهم، ساكناً، وهم يرون المنظومة العربية تتداعى دعائمها وأركانها كأحجار الدومينو؟ لهذا يتضاءل شأن الأمة، وتفقد ثقلها ووزنها، حتى لا يحسب لها حساب في قضاياها، فلا أكثر من عِهن منفوش وعرجون قديم.
لزوم ما يلزم: النتيجة الكروية: كيف تُخاض مباراة حضارية بلا دفاع وهجوم، بلا هدّاف ولا حتى حارس مرمى؟.
