في الاقتصاد الحديث، لم تعد التنمية تقاس فقط بحجم المصانع والاستثمارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الفاقد إلى قيمة، فالدول التي تراهن على المستقبل لا تسأل فقط: ماذا ننتج؟ بل: ماذا نفعل بما نهدر؟ وكيف نحوله إلى ثروة جديدة؟
ومن هنا يمكن قراءة إطلاق المبادرة الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات «نسيج»، تنفيذاً لتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليس باعتبارها مجرد مبادرة بيئية أو حملة توعوية، بل خطوة اقتصادية وصناعية ذات أبعاد استراتيجية طويلة الأمد.
الأرقام هنا مهمة؛ فالإمارات تنتج سنوياً نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات، وفي الاقتصاد التقليدي، ينتهي هذا الحجم الهائل إلى مكبات النفايات أو الحرق والهدر، أما في الاقتصاد الدائري، فإن هذه الكميات تتحول إلى مواد أولية جديدة، وسلاسل توريد، وصناعات وفرص استثمار ووظائف، وقيمة اقتصادية مضافة.
العالم المتقدم أدرك هذه الحقيقة مبكراً، فرنسا، على سبيل المثال، تبنت نظاماً وطنياً لإعادة تدوير المنسوجات ضمن مفهوم «مسؤولية المنتج الممتدة»، بحيث تصبح دورة حياة المنتج جزءاً من النموذج الاقتصادي نفسه، بينما وضعت هولندا أهدافاً واضحة لرفع استخدام المواد المعاد تدويرها في قطاع الأقمشة والملابس، واستثمرت دول أوروبية في تقنيات تحويل الملابس المستهلكة إلى ألياف جديدة تعود مرة أخرى إلى دورة الإنتاج.
اللافت في التجربة الإماراتية أنها لا تنقل النماذج العالمية نقلاً حرفياً، بل تعيد توظيفها ضمن فلسفتها الاقتصادية الخاصة، فالإمارات اختارت منذ سنوات أن تتحرك بمنطق الاستباق. رأينا ذلك في الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، واليوم نراه في الاقتصاد الدائري للمنسوجات.
تعجبني فلسفة الإمارات الاقتصادية اليوم، فهي تفكر بمنطق العقود المقبلة، وتبني اقتصاداً أكثر ذكاء، أقل هدراً، وأكثر قدرة على الاستدامة والتنافسية، لكن الأهم أن تتحول هذه الفلسفة إلى ثقافة مجتمع أيضاً، فحين تنتج الدولة نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات سنوياً، أي ما يعادل قرابة 20 كيلوغراماً للفرد الواحد، فإن السؤال لا يتعلق بالسياسات والمصانع وحدها، بل بعلاقتنا اليومية بالاستهلاك والهدر. نجاح مثل هذه المبادرات لا يبدأ من القرار الحكومي فقط، بل من وعي مجتمعي يرى في الحفاظ على الموارد أسلوب حياة، فبناء المستقبل يبدأ بحسن إدارة ما نملك.
@MEalhammadi
