إيطاليا التي أحب في أبوظبي التي أعشق، ليست ضيفاً يزور العاصمة من حين إلى آخر، بل نافذة تُفتح كلما قررت السفارة الإيطالية أن تحتفي ببلدها. نافذة يدخل منها شيء من روح المتوسط إلى الخليج، لحن قديم، أو رائحة قهوة، أو طبق يحمل ذاكرة مدينة بعيدة. لهذا لا تبدو أمسية اليوم الوطني الإيطالي مناسبة دبلوماسية بقدر ما تبدو لقاء بين مكانين نجحا، رغم المسافات، في أن يألف أحدهما الآخر.
في أمسية احتضنها، أمس، قصر الإمارات، لم نكن أمام حفل استقبال فحسب، بل تجربة تحمل نكهة إيطالية خالصة، أديرت بتفاصيل يعرفها ويتقنها الإيطاليون جيداً، فهناك، بدا المتوسط أقرب مما توحي به الخرائط، وبدا أن بعض المدن تستطيع أن تعبر البحار من دون أن تغادر مكانها. وقد عكست الفعالية هذا المعنى تحت شعار «أقوى معاً»، الذي لم يكن مجرد عبارة، بل توصيف دقيق لمسار العلاقة بين البلدين.
هذا الدفء لم يكن وليد المجاملة الدبلوماسية، فالعلاقة بين البلدين تجاوزت حدود البروتوكول، لتصبح واحدة من أكثر الشراكات حيوية بين الخليج وأوروبا.
وخلف هذا المسار تقف جهود دبلوماسية نشطة التزمت بتنفيذ الرؤى التي رسمتها قيادتا البلدين، وكان من أبرزها السفير الإماراتي في روما عبدالله السبوسي، والسفير الإيطالي في أبوظبي لورينزو فنارا، اللذان عملا على تحويل التقارب السياسي إلى حضور ملموس في الثقافة والاقتصاد وحياة الناس.
وإذا كانت الأمسية تحتفي باليوم الوطني الإيطالي، فيجب أن نحتفي أيضاً بلغة الأرقام التي تروي حكاية موازية بين البلدين، فالعلاقات الاقتصادية شهدت خلال العقد الأخير نمواً لافتاً، مع توسع الاستثمارات المتبادلة وتنامي الشراكات في كافة القطاعات.
في العاصمة، تستحضرنا إيطاليا بالتفاصيل. كما تستحضر الإمارات نفسها في إيطاليا برائحة القهوة العربية ودفء المجالس وتمور ليوا. لحظات نشعر فيها بأن الجغرافيا فقدت شيئاً من صلابتها، وأن المدن لم تعد تُقاس فقط بما يفصل بينها، بل بما يجمعها.
أجمل ما في العلاقة بين البلدين ليس أن تتناول تمراً إماراتياً في روما، أو تيراميسو إيطالياً في أبوظبي. وليس أن تستنشق العود في نابولي، أو عطر زهرة الوستارية في دبي. أجمل ما فيها أن الأمر لم يعد يثير الدهشة. أن تصبح روما وأبوظبي كلمتين تتجاوران في جملة واحدة من دون أن يشعر أحد بأن بينهما بحراً ومسافات وثقافات مختلفة.
