مبْنى السّياسة على العقل، هو فيها مدماكُ الصّرح وهو المحرِّكُ في آن. هكذا استقرّ النّظر إليها منذ خمسة وعشرين قرناً حين بدأ التّفكيرُ فيها بما هي موضوعٌ من موضوعات التّفلسف ينبغي أن يُعقَل ويُبنى عليه مفهوم. إذا ما استعرنا مفردات فلاسفة اليونان السّقراطيّين، نقول إنّ السّياسة فاعليّةٌ اجتماعيّة تنتمي إلى أفعال القوّة العاقِلة من دون قوى النّفس الأخرى. لذلك لا يمارسها - في نظر الإغريق - إلاّ المواطنون الذين تحرّروا من قيود الحاجات وتفرّغوا للتّفكير في الشّؤون العامّة تفكيراً خالياً من كلِّ أثرٍ لغيرِ هذه القوّة العاقلة (القوّة الشّهوانيّة والقوّة الغضبيّة حسب تقسيم أفلاطون لقُوى النّفس).
لا يختلف مفهوم السّياسة الحديثُ عن مفهومها لدى فلاسفة الإغريق وفلاسفة الإسلام، على الأقلِّ في نطاق الفلسفة الحديثة بين القرنين السّابع عشر والتّاسع عشر. ولقد تولَّد من هذا التّعريف، الذي يقْرِن السّياسةَ بالعاقليّة، أنّ يقيناً رَسَخ لدى السّواد الأعظم من المفكّرين والسّياسيّين بأنّ أفعال السّياسة أفعالٌ موعًى بها ومحسوبة، بالضّرورة، حساباً دقيقاً بحيث لا يتطرّق لها هوًى أو نَزَقٌ أو نزوةٌ أو جنون.
ذلك كان معنى السّياسة وكان اليقينُ به راسخاً لمئات الأعوام قبل أن تنتبه الأنثروبولوجيا السّياسيّة - وهي علم حديثُ النّشأة ضمن علوم المجتمع والإنسان - إلى واقعِ اتّصال السّياسة والأفعال السّياسيّة بعواملَ وفواعلَ أخرى غير العقل. بل ما عَتَّم أن أتتْ هذه الأنثروبولوجيا على فرضيّةِ - بل قُل يقينيّة - عاقليّةِ السّياسة بمعْول الهدم (ولكن من غير أن تَقْوى على نفيها تماماً) من طريق التّنبيه إلى فعْل العوامل غيرِ الموعَى بها، ولا المنتظِمة تحت سقف العقل، في تشكيل السّياسة وتزويدِها بالطّاقة التي تشتغل بها آلتُها.
ومنذ جرت هذه الانعطافة الفكريّة والمنهجيّة في النّظر إلى السّياسة وأشيائها، بات تقديرُ مكانة العقليِّ في عمرانها يميل إلى أن يكون نسبيّاً فيما كان أفقٌ معرفيّ جديد ينفتح أمام تناول السّياسة بما هي ظاهرةٌ مركّبة تتدخّل عوامل عديدة في تكوينها وفي اشتغاليّتها وتتطلّب، بالتّالي، منظومةً منهجيّة متعدّدة لمقاربتها من زواياها وأبعادها المختلفة والمتمفصلة في آن.
هكذا بدأ التّسليمُ بمفعوليّة عوامل أخرى في ميدان السّياسة، مثل الرّغبة والهوى ونوازع النّفس كالانتقام أو مثل الخيال والميثولوجيا...، يفرض نفسَه على أيّ تفكير في السّياسة ويُملي الحاجة إلى استدخال هذه العوامل - مجتمعةً أو متفرّقةً - في منظومة تفسير ظواهرها بعد إذْ كان تفسيرُها يكاد أن ينحصر في بُعْدٍ واحد فقط.
المستفاد من هذا أنّ حاجة السّياسة إلى اللاّعقل قد تضارع حاجتها إلى العقل، ولعلّها قد تُجاوِزُها مجاوَزةً ملحوظة في بعض أحيانها. تُفصح هذه الحاجة عن نفسها في طوْر تكوين السّياسة وتشكيل مؤسّساتها وإنشاء ثقافتها كما في اشتغالها وحركيّتها، مع ما يرافقها من تسويغٍ لها وتبرير. وسواءٌ كانتِ السّياسةُ سياسةَ سلطةٍ حاكمة، أو نخبة معارضة، أو جماعةٍ سياسيّة أو حزبيّة...، فإنّ الحاجة تلك تظلّ قائمةً والطّلبَ عليها يظلّ مستمرّاً.
قُوّةُ أيِّ سياسةٍ وموطنُ تأثيرها لا يكون، دائماً، في قدرتها الإقناعيّة بلغة العقل والمنطق، بل في جاذبيّةٍ فيها تكون لها مطيّةً تُمْتَطى لكسب ولاء الجمهور أو تأليف قاعدةٍ مساندة، وما من جاذبيّةٍ أشدِّ سحراً واستمالةً للنّفوس من بناء الخطاب السّياسيّ على المشاعر أو على الطّوبى أو على الأساطير، فبها يكون التّحشيدُ، وبها يقع التّهييجُ وشَدُّ العصب الجماعيّ، أي بها تتهيّأ للسّياسة مواردُ قوّتها الاجتماعيّة.
لا جَرَمَ أنّ حاجة السّياسة إلى أساطيرَ خاصّة (أساطير سياسيّة) هي في مقام الضّرورات التي لا محيد عنها لنجاحها أو لنجاعتها على الأقلّ. كلّما أصابتِ السّياسةُ حظّاً من النُّجْحِ في تصنيع أساطيرَ تَعْمَل ببطّاريّتها، زوّدتْ نفسَها بموردٍ جديد يسوِّغها لدى من يستهلكون أساطيرها تلك من المخاطَبين.
لذلك ما كفّتِ السّياسةُ، يوماً، عن تصنيع أساطيرَ - داخل الاجتماع السّياسيّ - عن كلّ ما يقع به الالتحامُ وتَسُوغُ به السّياسة: عن التّاريخ العريق من المدنيّة والحضارة والبطولات وعظيمِ المنجَزات في الميادين المختلفة، عن الشّعب ومَحْتِدِه النّفيس ووحدتِه عبر الزّمن، عن الوطن وتماسُكه وعراقةِ الدّولة فيه، عن الثّورات التي لم تتوقّف موجاتُها المتعاقبة عن صناعة الأمجاد... إلخ. ثمّ إنّها لم تَبْرح عادتها في تصنيع خيالٍ سياسيّ مشدود إلى يوتوبيات أكثرُها عسير التّحقُّق وشدِّ المجتمع إليها بوصفها أهدافاً عليا تبرّر التّضحيّة من أجل بلوغها.
لم تغيّرِ الحداثةُ شيئاً من هذا الانتظام المتوالي للسّياسيِّ في ظلال الأسطوريّ المؤطِّر، إذْ ما لبثتِ الحداثةُ السّياسيّة أن أنتجت، هي الأخرى، أساطيرها السّياسيّة الجديدة: الدّيمقراطيّة، التّمثيل السّياسيّ الصّحيح، التّداول على السّلطة، التّعدّديّة السّياسيّة، الحرّيّات العامّة، السّيادة الوطنيّة... إلخ.
abdilkeziz29@ gmail.com
