اقترنت جاذبيّةُ نظريّة التّبعيّة وسيطرتُها في حقل الدّراسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بحقبة صعود حركات التّحرّر الوطنيّ في العالم، بين خمسينيّات القرن العشرين وسبعينيّاته، وبعنفوان الفكرة الاشتراكيّة في بيئات اليسار والحركات التّحرُّريّة بمقدار اقترانها بانفكاك قسمٍ من حركات اليسار والأنظمة السّياسيّة عن الخطّ السّياسيّ الذي نهجه الاتّحاد السّوفييتيّ ودول المعسكر «الاشتراكيّ»، وانفكاكه عن السّياسات التي رسمها «الحزب الشّيوعيّ السّوفييتيّ» لحلفائه، من الأحزاب والأنظمة في بلدان الجنوب، وقد عُرِفت باسم برنامج «التّطوّر اللاّرأسماليّ». أُطلِق على الوجه السّياسيّ من هذا الانفكاك اسم «الثّورة الوطنيّة الدّيمقراطيّة»، التي تتمفصل فيها المعركةُ مع الخارج الإمبرياليّ مع المعركة ضدّ ركائزه المحلّيّة التّابعة، فيما أُطلق على الوجه الاجتماعيّ- الاقتصاديّ منه اسم فكّ الارتباط: ارتباط الهوامش أو الأطراف بالمركز: وهذا كان جوهر القول في نظريّة التّبعيّة.
نفت نظريّةُ التّبعيّة إمكانَ تنميةٍ رأسماليّة حقيقيّة أمام بلدان الجنوب التّابعة تتيح للأخيرة فرصَ اللّحاق بالبلدان الرّأسماليّة الكبرى ومنافستها اقتصاديّاً، بل هي شدّدت على استحالة ذلك بالكلّيّة بالنّظر إلى أنّ الفارق بينها ليس كمّيّاً: أعني ليس في درجة التّطوّر - كما تحاول «نظريّات» التّخلّف والتّأخّر التّاريخيّ أن توحي بذلك - بل هو كامن في أنّ العلاقة الحاكمة لها هي علاقةُ هيمنةٍ وإلحاقٍ من الميتروبولات وعلاقة خضوعٍ وتبعيّة من البلدان التي تمثِّل هوامشَ لها. معنى ذلك أنّ التّبعيّة تمنع تلك البلدانَ واقتصاداتها من أن تتطوّر من داخلها، كتبعيّة، وتفرض عليها الدّوران في فلك الخضوع وما يقتضيه من إعادة إنتاج علاقاته وكوابحه الموضوعيّة. وعلى ذلك، فإنّ الإمكان الوحيد المفتوح أمامها للتّطوّر الفعليّ هو - بحسب نظريّة التّبعيّة - فكُّ ارتباطاتها بالمراكز التي تهيمن عليها، وذلك لا يكون متاحاً لها إلاّ عن طريق الخروج من النّظام الرّأسمالي جملةً والذهابِ نحو ابتناء نظامٍ جديد قائم على علاقات إنتاجٍ بديلاً من الأولى.
إنّ نظريّة التّبعيّة ظلّت أشبه ما تكون بفرضيّة ذهنيّة للدّرس والبحث أكثر ممّا هي نظريّة مشتقّة من واقع أنظمة الإنتاج والتّنمية في تلك البلدان، بحيث تُسعف في تبيُّن وِجهة مساراتٍ أخرى في التّنمية والبناء التّنمويّ غير تلك التي تَلْحظها النّظريّةُ وتفرضها أفقاً تاريخيّاً وحيداً ممكناً.
لم يكن مشايعو نظريّة التّبعيّة يعترفون بحقيقة قدرة بلدانٍ صغيرة الحجم، الجغرافيّ والسّكّانيّ، من طراز كوريا الجنوبيّة، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة على أن تذهب بعيداً في عمليّة التّنميّة إلى الدّرجة التي تضع فرضيّات النّظريّة ويقينيّات منظّريها في أزمة، كانت «النّمور الأربعة» - مثلما سُمِّيت في الخطاب الغربيّ منذ سبعينيّات القرن العشرين - لا تزال في خانة بلدان رأسماليّة الهوامش، في نظر هؤلاء المشايعين، بحيث لا يُعْتدّ بتسارُع النّموّ فيها كما لا يُخْشى على استثنائيّةِ إقلاعتها الاقتصاديّة من أن تعيد النّظر في عقيدة استحالة التّطوّر من داخل نظام الرّأسماليّة الطّرفيّة. ولقد كان لا يُحْرِج الكثيرين أن يلتمسوا تفسيراً لنموّ تلك القوى الآسيويّة الجديدة من باب القول إنّ اقتصاداتها ازدُرِعت في محيط الصّين لتطويقها وإضعاف نفوذها في محيطها المباشر، بل ولمنعها من إعادة توحيد كيانها واستعادة هونغ كونغ وتايوان. بالجملة، ما صَدَّق أحد من معتنقي نظريّة التّبعيّة أنّ في وسع النّموذج التّنمويّ الجديد في آسيا أن يفتح أفقاً حقيقيّاً أمام التّطوّر الرّأسماليّ يقود إلى إنجاب مراكز رأسماليّة جديدة، أي يقود إلى الانتقال من رأسماليّة الهامش الكومبرادوريّة إلى رأسماليّة صناعيّة وإنتاجيّة متقدّمة.
على أنّ المسار الذي دشّنتْه تجربةُ «النّمور الآسيويّة» لم يعُد حدثاً معدوداً في حساب الاستثناء النّادر، بل اتّسع نطاقُ البلدان التي شرعت في السّير فيه، سواء على الصّعيد الآسيويّ (الصّين، الهند، ماليزيا، إندونيسيا، الفليبين...) أو الجنوبيّ (البرازيل، المكسيك، الأرجنتين، التشّيليّ، جنوب إفريقيا...)، على نحوٍ أفصح فيه المسارُ ذاك عن إمكانٍ تاريخيّ فعليّ لكسر حلقة التّبعيّة من دون الخروج من النّظام الرّأسماليّ للإنتاج أو، على الأقلّ، مع تهذيبه وتأميمه مثلما تفعل الصّين برأسماليّتها. وها نحن نشهد، اليوم، على ميلاد مراكز اقتصاديّة كبرى منافِسة للميتروبولات الغربيّة، ومن داخل النّظام الرّأسماليّ - لا ضدّه - مثل الصّين، والهند، والبرازيل، وكوريا الجنوبيّة...إلخ.
