تُسلِّم فلسفة الدّيمقراطيّة، على نحو ما نَظَّر لها منظِّروها، باشتراط عاملِ الحرّيّة أساساً لنشوء نظام العلاقات الدّيمقراطيّة في المجتمع والدّولة. مديونيّةُ الدّيمقراطيّة للحرّيّة كبيرة إلى الحدّ الذي توشك فيه أن تكون وجوديّةً، أي بالمعنى الذي يفيد بأنّ الأولى تَدين في وجودها للحرّيّة. هكذا أُدرِكتِ العلاقةُ بينهما منذ أسسّت لها كتابات جون لوك في مطلع تسعينات القرن السّابع عشر وأَوعبَها اللاّحقون من غير تبديلٍ أو تعديل، وأظهرُهم جان جاك روسو وإيمانويل كَنْت. ما كان التّلازُم الماهويّ هذا بين الدّيمقراطيّة والحرّيّة، في حقيقة أمره، إلاّ الثّمرة الموضوعيّة لمعتقَدٍ فلسفيّ هيمن على فلاسفة العقد الاجتماعيّ، قبل هيغل، يقضي بأنّ وجود الدّولة، في حدّ ذاته، مرتبطٌ بالحرّيّة مَنْشأً وغايةً. يكفي بياناً لذلك أنّ الدّولة، بمقتضى فلسفة العقد الاجتماعيّ، نشأت من علاقة تَعاقُدٍ داخل المجتمع بغية إقامة سلطةٍ مشروعة فيه، وأنّ التّعاقد ذاك وقع بين أناسٍ أحرار اختاروا منطق التّوافُق بديلاً من القوّة والفوضى، ثمّ يكفي أنّ الدّولة تلك ما قامت - حسب «نظريّة» العقد الاجتماعيّ - إلاّ من أجل فرض السِّلم المدنيّة وكفّ الانتهاكات وحِفظ الحقوق الطّبيعيّة والمدنيّة للأفراد وفي قلبها - إلى جانب المُلْكيّة - الحقّ في الحريّة.
الحريّة شرطٌ للدّيمقراطيّة إذن، ولكن بأبعادٍ ثلاثةٍ منها متلازمةٍ غيرِ قابلةٍ للفصم: حريّة التّفكير، حرّيّة الإرادة، حرّيّة الاختيار. ليس يمكن لتفكير مّا أن يكون حرّاً إنْ ضُرِبتْ عليه موانعٌ أو حُجُب أو خَضَع صاحبُه لتأثيرٍ من شأنه أن يُسْتَتْبَع فيه لغيره وأن تُصادَر حريّتُه في التّفكير. وليس لإرادةٍ أن تمارس فعلَها وفاعليّتَها في الأشياء والظّواهر والعلاقات إنْ لم تكن إرادةً حرّةً غيرَ مقيَّدةٍ أيّ نوع من التّقييد، ومن غيرِ أن تكون مجوَّفة أو محرَّفَة، لأنّ أيّ تدخُّلٍ فيها كابحٍ يُبطل الحرّيّةَ فيها وبالتّالي، تبطُل معه بما هي إرادة. ثمّ إنّه ما من اختيارٍ يملك المرءُ أن يُقْدِم عليه فيُنْسَب إليه معه حُسْنُ تقدير ما هو الأصلحُ أو الأصوب، من بين أشياء عديدة يختار بينها، أو يُنسَب إليه سوء ذلك التّقدير إلاَّ متى كان اختياراً حرّاً يأتيه صاحبُه طوْعاً من غير قسْرٍ أو إكراه على النّحو الذي يتبرَّر به ترتيبُ المسؤوليّة عن ذلك الاختيار.
يبدأ مسارُ تكوُّن الدّيمقراطيّة كنظامٍ سياسيّ - بحسب نظريّة الدّولة الحديثة- من نقطةٍ معلومة: الحرّيّة. لا تلبث هذه القيمة وهي، بالتّعريف، سياسيّة أن تتحوّل من مبدأ أعلى إلى حقٍّ مكتَسَب، بقوّة القانون والتّشريع، سرعان ما ينتِجُ آليةً بنائيّة: متدرِّجة ومتداخلة تبدأ بحرّيّة الضّمير (حرّيّة التّفكير)، وتنتقل إلى التّعبير عن نفسها في صورةٍ موعًى بها، أي من حيث هي تتجسّد في إرادةٍ حرّة، ثمّ تترجم نفسَها، تالياً، في شكل اختيارٍ حرّ لمن هو أهْلٌ للتّمثيل وإدارة الشّؤون العامّة. يمثّل الاقتراع تلك البؤرة التي تتمظهر فيها تلك الحرّيّة السّياسيّة - ومعها الدّيمقراطيّة استطراداً - إمّا حضوراً أو غياباً.
حتّى الآن، وبعد قرون من نشأة النّظام السّياسيّ الدّيمقراطيّ في الغرب (نظام الدّيمقراطيّة التّمثيليّة)، ما زالت علاقة الدّيمقراطيّة بالحرّيّة وتَوقُّف الأولى على الثّانيّة علاقةً نظريّةً افتراضيّة، تقوم في الذّهن، أكثر ممّا هي علاقةٌ ماديّة واقعيّة.
ما أكثر أجهزة صناعة الوعي والرّأي في دول العالم المعاصر، تلك التي سمّاها لوي ألتوسير باسم الأجهزة الأيديولوجيّة للدّولة وأهمُّها وأكثرُها فاعليّةً وتأثيراً، اليوم، الجهاز الإعلاميّ: هذا الذي ما عاد محصوراً في النّظام الإعلاميّ السّمعيّ- البصريّ (الإذاعيّ والتّلفزيونيّ: الوطنيّ والفضائيّ) فحسب، بل شمَل طيْفاً جديداً من الوسائط الإلكترونيّة والرّقميّة الحديثة من منصّات ومواقع تواصُل اجتماعيّ...إلخ باتت تنهض، فعلاً، بدور تكوين ذلك الوعي وتنميطِه وقولبتِه! بعد حقبةٍ مديدة من الالتزام السّياسيّ والأيديولوجيّ لقسمٍ كبيرٍ من الجمهور النّاخب، ومن الولاء لأحزابٍ بعينها (من اليسار أو من اليمين)، كان النّاخبون فيها محصَّنين - إلى درجةٍ مّا - من عمليّات سرقةِ الوعي أو تزييفِه أو تغيير وِجهةِ الولاء في آخر ساعة.
abdilkeziz29 @gmail.com
