يجري نقاش متعدد المستويات بشأن العلاقة التي باتت تربط مجالات تداول الخطاب المقدس بعالم التكنولوجيا والمنظومات الرقمية التي تحوّلت إلى مكون أساسي من مكونات الحياة المعاصرة؛ وتُطرح في السياق نفسه أسئلة ملحة بشأن إيجابيات وسلبيات تدخل الرقمنة والذكاء الاصطناعي في مرافقة وتأطير التجربة الروحية للأفراد، فهل يمكن - من ثم- للتجربة الافتراضية أن تعوّض الحضور الواقعي في أماكن صياغة الخطاب الديني الوفي للمرجعيات التقليدية؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تعميق الممارسة الروحية، أم أن هناك مخاطر حقيقية تهدّد هذه الممارسة وتعمل على تحويلها إلى سلعة لتوجيه وإثارة الانتباه عبر وسائط التواصل الاجتماعي؟ وهل ما زال بإمكان الدول والمجتمعات أن تحمي الأفراد من التطرف الناجم عن الاستعمال السيّئ للتقنيات العابرة لحدود الدول؟
من الواضح أن رسالة البابا ليون الرابع عشر التي أصدرها في شهر مايو/ أيار الماضي والتي حملت عنوان « الإنسانية الرائعة»، كانت بمثابة خطاب نقدي وعقلاني لأحد أبرز المرجعيات الدينية في العالم حول ما يحدث من تطورات في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وحول تأثير هذه التقنيات في حياة البشر؛ فقد حذر البابا من خطر الذكاء الاصطناعي على كرامة الإنسان، ودعا إلى الأخذ في الحسبان كل التحديات الأخلاقية التي يفرضها. وركز المنشور البابوي على نقاط عديدة أبرزها: الحروب التي يمكن أن يتسبب فيها الذكاء الاصطناعي، وعلى أهمية إعادة النظر في التنظيم الاقتصادي العالمي بالشكل الذي يحمي حقوق العمال من التطور الهائل على مستوى الرقمنة، ووضع ضوابط لحماية المجتمعات من التضليل الذي يمكن أن يتسبب فيه الذكاء الاصطناعي.
ويرى جان باتيست نوي بناءً على ذلك، أن المنشور البابوي، وبمعزل عن بعده الروحي، يمكن النظر إليه كمساهمة في النقاش الدائر حول الحوكمة العالمية للتكنولوجيا، وبالتالــــي فإن رسالة البابا، ليست فقط نصاً يتعلق بالطابع التقني لآلات الذكاء، بقدر ما هو نص حول الدولة والسوق والحرب في عصر الخوارزميات. وقد سعى البابا انطلاقاً من رسالته إلى بلورة موقف دنيوي بشأن طبيعة المخاطر التي يشكلها التحدي التكنولوجي بالنسبة للمجتمعات علـــــى اختلاف قناعاتها الدينية. وعليه فإن الأطروحــــــة الجيوسياسيـــة الرئيسية لبابا الفاتيكان الحالي صاحب القناعـــات الفلسفية الأوغيسطينية، تتمثــل في أن الحرب التي يعمل الذكاء الاصطناعي على نشرها وتضخيمها، هي في طريقها إلى أن تصبح شيئاً عادياً ومألوفاً على الرغم من خطورتها على مستقبل الإنسانية.
ومن ثم فإن «الحضارة القائمة على المحبة» والمعتمدة على قيم العدالة يمكنها أن تشكل أفضل المسارات للوقوف في وجه حرب التقنية التي تتجاوز إرادة الدول وتجعل الخوارزميات التي يوجهها الأفراد تتحكم في مصائر الأمم، ومثل هذه المهام تجعل الأديان تحمي الأفراد من مخاطر الذكاء الاصطناعي متجاوزة بذلك دورها الروحي التقليدي.
ويفرض الذكاء الاصطناعي علاوة على ما تقدم، إشكاليات أخلاقية لكونه يسهم في نشر الأخبار الدينية الكاذبة ويوفر أدوات تقنية جبارة لدعاة الفكر المتطرِّف، كما أنه يجعل الفتوى والعِظات متاحة بشكل أسرع بفضل الخوارزميات ويصل الأمر إلى حد تسطيح الاجتهاد في سياق إجابة ثنائية تبسيطية: إمّا حلال أو حرام، دون الأخذ في الحسبان البنية المركّبة للقضايا الدينية التي عادة ما تفترض التدرج في الأحكام، وتلغي الرقمنة من ثم مراتب الفتوى مثل الواجب والمندوب والمكروه أو المباح، الأمر الذي يجعلها تتجاوز كونها مجرد وسيط محايد لتصبح عنصراً فاعلاً في إنتاج الخطاب الديني؛ بل وتعطي الانطباع لكل مستعملي التقنية أن لهم الكفاءة اللازمة لإصدار الحكم الديني، ويضمحل بالتالي الفارق بين المتخصص والمنتج للخطابات الدينية وبين المستهلك لها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد من ناحية أخرى على مكافحة التطرف بعد أن يتم تحديد معاني مفهوم التطرف بناءً على نقاش مجتمعي واسع، من أجل الكشف المبكّر عن الخطاب المتطرف من خلال تحليل بنياته اللغوية والاصطلاحية وتفكيك محتوى المنشورات المتشددة، والمساعدة على دحض الحجج الاستبدادية والإقصائية وإبراز مغالطاتها.
