لم تعد المسألة في قطاع غزة مجرد أرقام تتداول في نشرات الأخبار، أو تصريحات سياسية يتباهى فيها قادة إسرائيل بتوسيع رقعة السيطرة الجغرافية التي وصلت، حسب آخر الإقرارات، إلى نحو 70% من مساحة القطاع الإجمالية.
فنحن اليوم أمام عملية خنق ممنهجة وبشعة لبقعة جغرافية استُنزفت حتى النخاع، وتحولت بفعل الحصار والدمار المستمر إلى ما يشبه «المعزل البشري» الأشد اكتظاظاً وبؤساً في التاريخ الحديث، وسط فشل دولي في لجم التجاوزات الإسرائيلية المستمرة.
حينما تتقلص المساحة المتاحة للعيش والوجود لنحو 2.13 مليون فلسطيني لتصبح 110 كيلومترات مربعة فقط من أصل 365 كيلومتراً مربعاً، فإن هذا يعني تلقائياً تكدساً مرعباً يتجاوز 19 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، وهذه الكثافة الخانقة لا تحدث في مدن مستقرة بنيوياً، بل في بيئة مدمرة بالكامل، افتقرت لأبسط مقومات الحياة الإنسانية والخدمات الأساسية، بعد أن طال الدمار الممنهج نحو 90% من البنى التحتية والمدنية والصحية والتعليمية في القطاع.
تأتي هذه المعاناة المتفاقمة في وقت تكشف فيه الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، إذ ارتفعت حصيلة الضحايا إلى أكثر من 73 ألفاً و173 ألف جريح منذ بداية الحرب، إذ إن المفارقة الصارخة والخطرة هنا، هي أن آلة الموت الإسرائيلية لم تتوقف عن حصد الأرواح حتى في ظل التفاهمات السياسية واتفاقات وقف إطلاق النار السارية، حيث سجل مقتل أكثر من ألف شخص وإصابة نحو 3300 آخرين منذ دخول الاتفاق الأخير حيز التنفيذ، ما يوضح بجلاء أن التفاهمات الجزئية باتت هشة للغاية ولا توفر أدنى حماية حقيقية للمدنيين، وأن هناك تنصلاً مستمراً وواضحاً من الالتزامات المفروضة.
أمام هذا الواقع الإنساني المتدهور والمتسارع نحو الانهيار الشامل، لم يعد هناك من متسع لاقتراحات مؤقتة لا توقف المقتلة التي تعصف بغزة، حيث إن الحل الحقيقي والدائم يتطلب تجاوز المقاربات الجزئية القاصرة نحو صياغة إستراتيجية دولية شاملة ترتكز على مسارات واضحة ومتوازية، أولها إلزامية الوقف الفوري والشامل والدائم للعمليات العسكرية وتحت رقابة دولية صارمة ومباشرة لضمان عدم الخرق والالتفاف. وثانيها، فتح كافة المعابر بشكل كامل ودائم، وفي مقدمتها معبر رفح البري، لضمان التدفق غير المشروط للمساعدات الطبية والإغاثية، وإعادة إطلاق شريان الحياة الإنساني والتبادل التجاري الأساسي بلا عوائق.
أما المسار الثالث والأساسي، فهو صياغة خطة دولية عاجلة وممولة لإعادة الإعمار، تبدأ من تأمين الإيواء المؤقت الصالح للبشر ومحطات تحلية المياه والمستشفيات الميدانية، وصولاً إلى إعادة تأهيل القطاع الصحي والتعليمي والخدمي بشكل كامل.
إنقاذ غزة اليوم ليس مجرد واجب سياسي أو دبلوماسي، بل هو اختبار حقيقي ومصيري لما تبقى من الضمير الإنساني العالمي ومنظومة العدالة الدولية، لأن مأساة غزة لم يمر في التاريخ الحديث أشد وطأة منها.
