في قصيدته «يا أنشودتي انطلقي» نتلمس في قول الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي التعبير الحقيقي بأن الشر الذي يصنعه الإنسان للآخرين قد يرتد عليه، حيث يقول في أحد أبيات هذه القصيدة:
وكلُّ طابخِ سمٍّ سوف يأكله
وكلُّ حافر بئرٍ واقعٌ فيها
في الحقيقة إن ما قادنا إلى هذا البيت الرائع، هو ما أعلنه رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر في بداية الشهر الجاري حول تفاقم العنصرية والتعصب في بريطانيا خلال السنوات العشر الأخيرة، محذراً من أن ذلك يضر بالتماسك الاجتماعي ويثني الناس عن المشاركة في الحياة العامة.
تصريحات ستارمر هذه جاءت في معرض رده على أحد النواب الذي عبّر عن قلقه من أن العنصرية والتحريض على العنف المرتبط بها أصبحا أمراً عادياً، بما في ذلك من قبل بعض السياسيين. وقال ستارمر: «علينا التعامل مع هذه المشكلة، لأنها تمزق مجتمعاتنا، ويجب على كل شخص يعمل في السياسة على أي مستوى في هذا البلد أن يندد بها».
تصريحات ستارمر تزامنت مع تقرير لوكالة «رويترز» خلصت فيه إلى أن بريطانيا تشهد تصاعداً في خطاب الكراهية والحوادث العنصرية المرتبطة بالهجرة، وسط تحذيرات خبراء ونقابيين من أن الخطاب السياسي الصادر عن الحكومة وسياسيين آخرين ساعد في خلق بيئة أكثر تساهلاً مع العنصرية الصريحة.
وتأتي هذه التحذيرات بعد وقائع عنف وجرائم أثارت توتراً واستغلها ناشطو اليمين وسياسيوه للتركيز على هذه الجرائم وربطها بالهجرة والمهاجرين، الأمر الذي يدفع بالأقليات العرقية إلى التخوف من عودة مظاهر العنصرية المرتبطة بالخطاب المناهض للمهاجرين. وبحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الإنسانية، فإن نسبة جرائم الكراهية المبلغ عنها في أوروبا ارتفعت بنحو 20% خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع نطاقاً وثقته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بأن انتشار خطاب الكراهية، لاسيما عبر الإنترنت، يقوّض أركان الديمقراطية، ويزعزع التماسك الاجتماعي، ويسكت أصوات الفئات المهمشة.
وارتفعت جرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة في إنجلترا وويلز لأول مرة منذ ثلاثة أعوام في السنة المنتهية في مارس/آذار 2025، حيث زادت الجرائم ذات الدوافع العنصرية بنسبة 6% لتصل إلى 82 ألفاً و490 واقعة.
ودفع تزايد خطابات الكراهية والعنصرية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحذير من خطورة هذه الخطابات مؤكداً إن «التصدي لخطاب الكراهية لا يعني تقييد حرية التعبير أو حظرها، بل يعني منع خطاب الكراهية من التصاعد إلى شيء أكثر خطورة، ولاسيما التحريض على التمييز والعداء والعنف، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي.
الواقع المؤسف هو أن خطاب الكراهية والعنصرية في الغرب ليس أمراً عابراً فرضته بعض الظروف الطارئة، لكنه يعود في جذوره الأساسية إلى الثقافة الغربية التي تحمل في طياتها فكر التفوق والتميز للرجل الأبيض، وهو ما نلمسه بوضوح في ترتيب الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط لأعراق البشر ترتيباً عنصرياً وجعل العرق الأبيض على رأس القائمة، حيث يرى كانط أن الإنسان الأبيض يملك كل المواهب الفطرية والفلسفة، فيما ذهب الفيلسوف نيتشه إلى الدعوة للتخلص من الضعفاء.
واللافت أننا لو تمعنا جيداً في قضايا اللاجئين في الدول الغربية ومنها بريطانيا الذي حذر رئيس حكومتها من تنامي خطاب العنصرية فيها، نرى أن السياسات الخارجية لبعض الدول الكبرى هي التي تسهم في زعزعة الاستقرار في مناطق معينة، مما يدفع السكان للهجرة بحثاً عن الأمان، فتقوم هذه الدول الغربية باستقبالهم ليس بدوافع إنسانية دائماً كما يحاول تصويره الإعلام الغربي، وإنما نتيجة حاجة هذه الدول إلى أيدٍ عاملة منخفضة الكلفة.
ودفع ذلك بالمفوضية الأوروبية عام 2021إلى اقتراح إضافة خطاب الكراهية وجرائم الكراهية إلى قائمة جرائم الاتحاد الأوروبي، مما يؤكد بشكل أكبر خطورة هذا التهديد وإلحاحه.
أخيراً يمكن القول إن فلسفة الغرب العنصرية لن تبقى آثارها محصورة على الشعوب المستضعفة وإنما ستطول الغرب ذاته لأن طابخ السم لابد آكله.
