في عيد الولايات المتحدة المئتين والخمسين، رُفعت الأسئلة قبل الرايات. لم يكن العالم هذا العام يراقب عرضاً عسكرياً أو يتأمل الألعاب النارية بقدر ما كان يراجع سيرة أمة غيرت جانباً كبيراً من العالم الحديث، ثم وقف يسألها: هل ما زلتِ تشبهين الفكرة التي وُلدتِ منها؟ كتبت الصحف عن الاستقطاب، وعن تراجع الهيمنة، وعن اختبار تاريخي يواجه الجمهورية الأمريكية، حتى بدا الاحتفال أقرب إلى جلسة مراجعة منه إلى مناسبة وطنية. لكن، مع كل ما تحمله هذه القراءات من وجاهة، يبقى من المجحف أن يُختزل تاريخ أمة امتد قرنين ونصفاً في مزاج سنوات قليلة، أو أن تُقرأ شجرة عظيمة من ظل غصن واحد. فالأمم لا تُقاس فقط بما تمر به من أزمات، بل بما أهدته للبشرية من أفكار، وبما تركته في ذاكرة الإنسان من أثر. ولعل السؤال الحقيقي ليس: ماذا أصبحت أمريكا اليوم؟ بل: ما الفكرة التي جعلتها عظيمة منذ البداية؟
لم تولد الولايات المتحدة من حدود رُسمت على الخريطة، بل من فكرة رُسمت في ضمير التاريخ. حين اجتمع الآباء المؤسسون في فيلادلفيا، لم يكونوا يكتبون دستور دولة ناشئة فحسب، بل كانوا يعيدون تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة. ومن قلب الثورة الأمريكية، مروراً بإعلان الاستقلال عام 1776، وصولاً إلى دستور 1787 الذي افتتح بعبارة «نحن الشعب»، وُلد تصور جديد للعالم، أن الشرعية تأتي من المواطنين لا من التيجان، وأن القانون يسمو على الحاكم، وأن الحرية ليست منحة من ملك، بل هي حق يولد مع الإنسان.
ولم يكن جورج واشنطن عظيماً لأنه انتصر في الحرب وحدها، بل لأنه انتصر على إغراء النصر نفسه. كان يستطيع أن يؤسس سلالة تحكم، لكنه اختار أن يؤسس تقليداً يحكم، وغادر السلطة طوعاً ليمنح العالم درساً سياسياً نادراً: أن خلود الأوطان يبدأ عندما يصبح الدستور أكبر من الرجل، وتبقى المؤسسات شامخة حين يغادرها مؤسسوها.
لكن الأفكار العظيمة لا تُختبر في لحظة ميلادها، بل في قدرتها على مواجهة تناقضاتها. فقد أعلنت أمريكا أن الناس جميعاً خُلقوا متساوين، بينما بقيت العبودية تنخر جسدها. وحين جاء إبراهام لنكولن، لم يكن ينقذ الاتحاد وحده، بل كان ينقذ الوعد الأمريكي من أكبر تناقضاته، ويعيد الحرية إلى مكانها الطبيعي في قلب الفكرة. وبعده بقرن تقريباً، وقف مارتن لوثر كينغ أمام نصب لنكولن التذكاري لا ليحلم بأمريكا جديدة، بل ليطالبها بأن تكون وفيةً لأمريكا التي وعدت بها وثيقة الاستقلال. وهكذا أثبتت التجربة الأمريكية أن قوة الأمم لا تكمن في خلوها من الأخطاء، بل في قدرتها على تصحيحها، وفي شجاعة العودة إلى مبادئها كلما ابتعدت عنها.
ولعل سر المجد الأمريكي أنه لم يحبس الحرية في قاعات السياسة والمحاكم، بل أطلقها في المختبر، وفي الجامعة، وفي المسرح، وفي المصنع. وبينما تركت حضارات أخرى للعالم طرقاً أو إمبراطوريات، اختارت الولايات المتحدة أن تترك له المعرفة. ففي مختبر توماس إديسون لم يولد المصباح فحسب، بل أُضيئت قناعة بأن الإنسان يستطيع أن يهزم الظلام بالعقل. ومن الأخوين رايت إلى هنري فورد، ومن برنامج أبولو إلى الإنترنت ووادي السيليكون، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، لم تكن أمريكا تخترع أدوات جديدة للحياة فقط، بل كانت توسع حدود الممكن، وتجعل الابتكار لغة يومية للحضارة.
ثم خرجت الحرية من المختبر لتسافر في ثوب الثقافة. حملتها هوليوود إلى أقاصي الأرض، وغنت بها موسيقى الجاز والبلوز والروك، واحتضنتها الجامعات التي استقطبت العقول من كل القارات، وتبنتها مراكز الأبحاث التي جعلت من السؤال بدايةً للتقدم لا تهديداً له. وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تكتفِ الولايات المتحدة بإعادة بناء قوتها، بل ساهمت في إعادة إعمار دول أنهكتها الحرب عبر مشروع مارشال، وأسهمت في بناء المؤسسات الدولية، وفي دعم برامج التعليم والصحة والتنمية، فيما ساعدت السيدة الأولى آنذاك إيليانور روزفلت في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليصبح الدفاع عن الكرامة الإنسانية جزءاً من الرسالة الأمريكية كما أرادها مؤسسوها.
ربما لهذا لم يكن المجد الأمريكي الحقيقي في أنها أصبحت أقوى دولة في العالم، بل في أنها أقنعت ملايين البشر بأن الحرية ليست شعاراً سياسياً، بل أسلوب حياة، حرية الفكر، وحرية الإبداع، وحرية السؤال، وحرية أن يحلم الإنسان بمستقبل أفضل مما ورثه. فالقوة قد تصنع الهيبة، أما الفكرة فهي التي تصنع المحبة، وهي وحدها القادرة على أن تبقى حين يهدأ صخب السياسة.
وفي عيدها المئتين والخمسين، لعل أجمل ما نستحضره ليس قوة أمريكا، بل روحها، تلك الروح التي جعلت الدستور أقوى من الحاكم، والعلم أبلغ من السلاح، والإنسان أغلى من السلطة. قد تتبدل الإدارات، وتتغير السياسات، ويشتد الجدل، لكن الأمم التي بنت مجدها على الحرية لا يليق بها إلا أن تعود إليها.
