هناك دول تتحدث إلى العالم بخطاباتها، ودول تتحدث بقراراتها، لكن الدول الواثقة بنفسها تتحدث بالرموز. وهذا تماماً ما فعلته تركيا في قمة الناتو، فلم تكتب بيانها الأول بالحبر، بل بالتركواز، ولم تستدعِ تاريخها في خطاب، بل في جوقة المهتر والانكشارية، ولم تعلن طموحها الصناعي في مؤتمر صحفي، بل وضعته في صندوق خشبي بين يدي ضيوفها.
ففي أنقرة، تحدثت الجمهورية بلسان السلطنة، ووقفت تحت مظلة الناتو، وهي تحمل بين يديها صناعةً دفاعية تركية، وكأنها تقول إن الدول الصاعدة لا تختار بين تاريخها ومستقبلها، بل تعرف كيف تجعل أحدهما يشرح الآخر.
كانت الرسالة الأولى تحت أقدام القادة. لم تفرش أنقرة السجاد الأحمر الذي تشابهت عليه قمم العالم، بل اختارت التركواز، اللون الذي اشتق الغرب اسمه من «التركي» لأنه وصل إلى أوروبا عبر الأناضول، والذي تحول منذ عام 2013، بقرار من رجب طيب أردوغان عندما كان رئيساً للوزراء، إلى جزء من الهوية البصرية للدولة، حتى وُصف ب»لون الجمهوريات التركية». لم يكن الأمر تبديلاً للون بآخر، بل استبدال لرواية بأخرى، فالدول التي تثق بهويتها لا تستعير رموزها، بل تمشي فوقها. ولهذا، فإن من أراد أن يقرأ أول بيان غير مكتوب للقمة، لم يكن عليه أن يبدأ بالبيان الختامي، بل بالأرض التي سار عليها القادة.
ثم جاءت الرسالة الثانية أكثر وضوحاً. فقد استقبلت الوفود فرقة «جوقة المهتر»، أقدم فرقة موسيقية عسكرية في العالم، تعزف الأناشيد التي رافقت الجيوش العثمانية في حملاتها، بينما اصطف جنود يرتدون زي الانكشارية، ذلك الجيش الذي أنهى السلطان محمود الثاني وجوده عام 1826 فيما عُرف ب»الواقعة الخيرية»، بعد أن تحول من عماد للدولة إلى عبء عليها. والمفارقة أن الجمهورية التركية، وهي تحتفل بمرور قرن على تأسيسها، أعادت إلى المشهد رمزاً عسكرياً ألغته الدولة العثمانية نفسها قبل قرنين. لم يكن ذلك حنيناً إلى الماضي بقدر ما كان إعادة توظيف للتاريخ، فأردوغان يأخذ من الجمهورية الحديثة مؤسساتها وصناعتها واقتصادها، لكنه لا يتردد في استدعاء أكثر رموز الإمبراطورية العثمانية حضوراً حين يريد أن يبعث برسالة عن العمق والقوة والاستمرارية.
ولم تكن هذه الرموز منفصلة عن نتائج القمة نفسها. فقد خرجت أنقرة بمكاسب سياسية وعسكرية يصعب تجاهلها، تناغم واضح بين الرئيس الأمريكي ونظيره التركي، توافق داخل الحلف على رفع الإنفاق الدفاعي 5% وتعزيز القاعدة الصناعية العسكرية، وعودة الحديث عن معالجة أزمة برنامج F-35، دون الإقرار بكيفية المعالجة، والتطرق إلى منظومة S-400 لدى أنقرة دون الحسم فيها. ولأن الخيارات لم تطرح، فهناك سيناريوهان: الأول، يقضي بالإبقاء على المنظومة داخل تركيا دون تشغيلها، بما يزيل المخاوف الأمريكية دون كسر التفاهم مع موسكو. أما السيناريو الثاني، فيتحدث عن نقلها إلى طرف ثالث، لكنه يبقى رهينة عقد أكبر من مجرد صفقة سلاح، فعقد البيع الروسي يمنع إعادة التصدير دون موافقة موسكو، وتركيا هي صاحبة قرار الوجهة، فيما يبقى موقف واشنطن حاسماً تجاه الدولة التي قد تستقبل المنظومة. وهنا تظهر أهم مفارقة، فإذا وافقت الولايات المتحدة على انتقال S-400 إلى دولة شريكة لها، فإنها تكون قد أقرت ضمناً بأن اعتراضها لم يكن على المنظومة الروسية في ذاتها، بل على وجودها داخل المنظومة العملياتية لحلف الناتو. وبذلك تتحول القضية من خلاف تقني إلى إعادة تعريف لمفهوم التحالف نفسه.
ولم تتوقف الرسائل التركية عند الأرض التي سار عليها الضيوف، ولا عند الموسيقى التي استقبلتهم، بل امتدت إلى الهدية التي غادروا بها. ففي ختام القمة، حمل كل زعيم صندوقاً خشبياً فاخراً صُمم بعناية، وفي داخله نسخة حديثة ونادرة من مسدس تركي منقوش عليه اسم صاحبه، مرفقة بعدة تنظيف وخمسمئة طلقة ذخيرة. لم تكن الهدية قطعة بروتوكولية تُحفظ في خزائن التذكارات، بل كانت امتداداً للسردية التي بدأت منذ اللحظة الأولى لوصول الوفود. فالدول غالباً ما تهدي ضيوفها ما يختصر تاريخها، أما تركيا فاختارت أن تهديهم ما تختصر به مستقبلها. لم تكن تقدم مسدساً، بقدر ما كانت تعرض صناعة دفاعية أصبحت خلال سنوات قليلة إحدى أدوات نفوذها السياسي والاقتصادي، ورسالة تقول إن أنقرة لم تعد تطرق أبواب أسواق السلاح، بل باتت تسعى إلى أن تكون من صُنّاعها.
وهكذا، لم يكن التركواز لوناً، ولا جوقة المهتر موسيقى، ولا الانكشارية استدعاءً للماضي، ولا المسدس هدية ختامية. كانت جميعها مفردات في خطاب سياسي واحد، صاغته أنقرة بعناية لتقول إن القوة لا تُقاس بما يُكتب في البيانات الختامية، بل بالقدرة على تحويل التاريخ إلى هوية، والهوية إلى صناعة، والصناعة إلى نفوذ.
لذلك، ربما لم تكن قمة الناتو في أنقرة مناسبة ليُظهر الحلف تماسكه بقدر ما كانت المنصة التي اختارتها تركيا لتعرض نسختها الجديدة أمام العالم. دولة تستند إلى ذاكرة إمبراطورية دون أن تتخلى عن مؤسسات الجمهورية، وتفاوض الغرب دون أن تغادر الشرق.
