الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصراع على «هرمز»

16 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 16 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يكن يتصور أي محلل استراتيجي أو ممارس دولي أنْ تتحول حرب إيران الثانية، التي انطلقت في أواخر فبراير(شباط) الماضي بأهدافٍ أمريكية-إسرائيلية تفاوتت بين تغيير النظام ودعم الثوّار والقضاء على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية وضرب نفوذ طهران الإقليمي وقطع أذرعها في المنطقة، أقول: لم يكن يُتصور أن تتحول هذه الحرب إلى صراع على السيطرة على مضيق هرمز، وأن يصبح هذا الصراع مباراة صفرية بين أطرافه جميعاً.
كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ تتعدد تفسيرات المراقبين وتختلف فيما بينها. فمنهم مَن يعزو ذلك إلى سوء التخطيط السياسي للحرب من قبل الإدارة الأمريكية. ومنهم من يُرجع ذلك إلى استغلال الإيرانيين للثغرات الأمريكية في إدارة الحرب والمفاوضات، وتعجل إدارة ترامب لتحقيق نصر سياسي وعسكري قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر(تشرين الثاني) المقبل. وهناك من يفسر ذلك بانعدام الخيارات الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ما الحال التي وصلنا إليها الآن؟ تسعى إيران لترسيخ سيطرتها على مضيق هرمز، وترفض أي ترتيبات من شأنها تقويض هذه السيطرة، وتواصل استخدام القوة العسكرية ضد السفن التجارية العابرة للحفاظ عليها، وتبدو مستعدة للعودة إلى صراع واسع النطاق مع الولايات المتحدة إذا اقتضى الأمر لضمان استمرار هذه السيطرة. فقد رفضت طهران مراراً أي مبادرات تهدف إلى إنشاء ترتيبات بديلة للملاحة خارج نطاق سيطرتها، بما في ذلك مبادرة المنظمة البحرية الدولية وسلطنة عُمان لإنشاء ممر آمن، والمقترح العُماني بإنشاء «ممرين ملاحيين» يعملان بكامل طاقتهما: الأول ممر جنوبي يمر عبر المياه الإقليمية العُمانية، ويتيح حرية الملاحة دون قيود وفقاً للترتيبات التي كانت سائدة قبل الحرب، والثاني ممر شمالي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، ويتطلب الحصول على موافقة مسبقة من إيران، ولكن من دون فرض رسوم عبور.
والواقع أنّ إيران تنظر إلى السيطرة على مضيق هرمز باعتبارها هدفاً استراتيجياً رئيسياً، ويعتقد قادتها أن انتهاء الحرب من دون تثبيت هذه السيطرة سيُعدّ هزيمة استراتيجية كبرى أو «استسلاماً». كما يواصل كبار المسؤولين الإيرانيين التعامل مع قضية المضيق كونها مسألة تتعلق «بالسيادة الوطنية وبقاء النظام». وفي هذا السياق، وصف مستشار المرشد الأعلى للشؤون العسكرية، محسن رضائي، المضيق، بأنه «أهم من عشرات القنابل النووية».
وفي المقابل، تهدف الولايات المتحدة إلى تقويض السيطرة الإيرانية على المضيق. وقد سعت الضربات الأمريكية الأخيرة إلى تقليص قدرة إيران على استهداف السفن التجارية في المضيق، إلا أنه لا يزال من غير الواضح متى ستصل هذه الضربات إلى مستوى يحد بصورة فعالة من قدرة طهران على تنفيذ هجمات فردية تعطل حركة الملاحة. كما لم تؤدِّ هذه الضربات حتى الآن إلى تغيير استعداد إيران لاستخدام القوة لفرض سيطرتها على المضيق. ففي 11 يوليو(تموز)، استهدفت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني سفينة ترفع علم قبرص بصاروخ كروز مضاد للسفن، كما أعلنت، في 12 يوليو(تموز)، استهداف سفينة أخرى لم تُحدد هويتها، في مؤشر على استمرار قدرتها على تنفيذ هجمات منفردة. وحتى الهجمات المحدودة قادرة على تعطيل الملاحة، لأن قرار عبور المضيق يعتمد أساساً على تقديرات المخاطر لدى ربابنة السفن ومالكيها وشركات الشحن، التي تتسم بدرجة عالية من الحذر.
ورداً على هذه الهجمات، شنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عشرات، وربما مئات الضربات الجوية استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنشآت بحرية، ورادارات للمراقبة الجوية والسطحية، ومنظومات للدفاع الجوي وكذلك البنية التحتية الحيوية (النفطية وغيرها). وامتدت الضربات الأمريكية إلى مناطق داخلية في إيران.
ورغم أن الضربات الأمريكية اتسمت بتوسع جغرافي ملحوظ، حيث طالت عدداً من المحافظات الوسطى والجنوبية، فإن التأثير التكتيكي المباشر اقتصر على الضربات التي استهدفت المناطق الساحلية. أما الضربات التي طالت العمق الإيراني، فلم تُحدث حتى الآن تغييراً ملموساً في استعداد طهران لمواصلة هجماتها في مضيق هرمز.
ورداً على الضربات الأمريكية، شنت إيران عدة هجمات بالصواريخ والمسيّرات على منشآت أمريكية وبنية تحتية في البحرين والكويت والأردن وقطر وسلطنة عُمان في 12 يوليو، قبل أن تكرر استهداف البحرين والكويت والأردن في 13 يوليو. ومنذ توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو(حزيران)، كررت إيران استهداف البحرين والكويت والأردن، بينما لم تستهدف قطر، منذ 8 إبريل، واقتصرت هجماتها على سلطنة عُمان خلال الحرب على نطاق محدود، نظراً إلى قيام الدولتين بدور الوسيط في المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. ويبدو أن إيران استهدفت الدولتين، لأنها باتت تعتبر وساطتهما منسجمة مع الجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، خاصة بعد المحادثات الثلاثية التي جمعت مسؤولين قطريين وعُمانيين وإيرانيين في مسقط يوم 11 يوليو(تموز).
ويُرجح أن إيران تستهدف دول الخليج لردعها عن دعم أي جهود أمريكية أو خليجية تهدف إلى الحد من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وإجبارها على القبول بالأمر الواقع بسيطرتها على المضيق، بعدما أخفقت في ذلك عبر المسار الدبلوماسي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة