الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

السيادة الرقمية في عالم متعدد المخاطر

18 يوليو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 18 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أمام الثورة التي أحدثتها التكنولوجيا المتطورة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تغيرت مجموعة من المفاهيم كالأمن الذي أضحى منفتحاً على مجموعة من التهديدات البيئية والوبائية والرقمية.. إلى جانب التهديدات التقليدية المتصلة بالمنازعات العسكرية، وكذا السيادة التي لم تعد مقتصرة على الحدود الجغرافية، ولم تبق بالصرامة التي كانت عليها في الماضي، وبخاصة مع تشابك العلاقات بين الدول وبروز فاعلين جدد، حيث برز مفهوم السيادة الرقمية الذي يحيل إلى تلك السلطة التي تملكها الدول تجاه منظومتها الرقمية كجزء من الأمن القومي، بما ينطوي عليه الأمر من إحداث بنى تحتية واستراتيجيات رقمية بصورة مستقلة عن أي تدخلات أم إملاءات خارجية.
وتقوم السيادة الرقمية على مجموعة من المرتكزات التي يمكن إجمالها في القدرة على تخزين وحماية المعلومات، وتأطير المنظومة الرقمية بتشريعات منفتحة ومواكبة تحد من الجرائم بما يدعم الأمن الرقمي، ويعزز الثقة في مختلف المعاملات ذات الصلة، ويرسخ الاستقلالية الرقمية عن الشركات الكبرى ذات الاهتمام.
علاوة على توطين التكنولوجيا الحديثة وبرامج الذكاء الاصطناعي والحد من الفجوة الرقمية، وتكوين أطر وطنية متخصصة قادرة على كسب هذا الرهان.
لا يخلو كسب رهان السيادة الرقمية من إشكالات وتحديات، متصلة في مجملها باتساع الفجوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب، والتي يعكسها احتكار الدول الكبرى كالولايات المتحدة والصين، وشركاتها الكبرى لهذه التقنيات والبرامج المتطورة للذكاء الاصطناعي، علاوة على الإشكالات التي تطرحها الجرائم الرقمية العابرة للحدود، والحروب السيبرانية التي تستهدف عدداً من القطاعات الحيوية، وتخترق عدداً من المصالح الاستراتيجية للدول، ما يخلف خسائر مالية واقتصادية وخدماتية فادحة.
وفي الوقت الذي سارعت فيه الكثير من الدول الكبرى إلى امتلاك ناصية التكنولوجيا الحديثة والتحكم في مساراتها، ما زالت هناك دول أخرى تقف في موقع المستهلك لهذه التكنولوجيا ولما تتيحه من معطيات ومعلومات وأخبار، من دون أن تكون قادرة على مواجهة المخاطر والتهديدات التي ترافقها، فيما حاولت بلدان أخرى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الرامية إلى توفير بنية تقنية أساسية تكفل تحقيق الأمن الرقمي، وتعزز حماية السيادة الرقمية في عالم متعدد المخاطر.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار مجموعة من الممارسات الفضلى للدول الكبرى التي قطعت أشواطاً مهمة في مجال تعزيز سيادتها الرقمية، عبر تطوير تقنيات رقمية محلية في مقابل الحد من هيمنة الشركات الدولية الكبرى في هذا الصدد، وسن تشريعات تعزز الأمن الرقمي، ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى الصين التي استطاعت ابتكار مجموعة من التطبيقات والمحركات والنظم الإلكترونية البديلة لمثيلاتها المعروفة مثل «غوغل» و«واتساب»، وتعزيز السيادة الرقمية من خلال بسط الرقابة على المعلومات المتداولة عبر الشبكة الرقمية.
ومن جانبها، وبالنظر إلى مكانتها الدولية، تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على الموازنة بين فرض هيمنتها الرقمية عالمياً عبر تخصيص استثمارات ضخمة بالتعاون مع القطاع الخاص في هذا المجال (الذكاء الاصطناعي، الرقمنة وصناعة الحواسيب والبرامج والتطبيقات..)، والعمل على حماية سيادتها الرقمية من خلال اعتماد مجموعة من التدابير القانونية والتقنية. فيما بذلت روسيا جهوداً كبيرة على مستوى تعزيز أمنها الرقمي عبر السعي لتعزيز استقلالية شبكتها الرقمية.
وما زالت المنطقة العربية تعاني من مشكلات عدة فيما يتعلق بتعزيز السيادة الرقمية، رغم الجهود التي تبذلها بعض البلدان التي طورت بِناها التحتية في هذا الصدد، وهو ما يكرس فجوة رقمية هائلة تكرس التبعية الرقمية والتكنولوجية للدول الكبرى.
إن ضمان السيادة الرقمية للدول العربية، وانتقال هذه الأخيرة من مجرد التبعية والاستهلاك إلى الابتكار والمساهمة في تطور هذا المجال العالمي الحيوي، يبدأ من بلورة خطط استراتيجية تتأسس على توطين التكنولوجيا وتطوير المنظومة القانونية ذات الصلة بما يوفر الحماية اللازمة للبيانات الشخصية ويضمن الأمن الرقمي، وإحداث مشاريع وبرامج واتفاقيات مشتركة في هذا الصدد، أسوة بالتجربة الأوروبية، ثم توجيه الاستثمارات لقطاع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتطوير منظومة التعليم بما يساعد على تخريج كفاءات عالية ومتخصصة، ثم تشجيع البحث العلمي في هذا المجال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة