ظهرت إسبانيا باعتبارها الدولة الأوروبية الوحيدة التي تستطيع أن تقول للولايات المتحدة: لا. وهذا الأمر غير مسبوق في العلاقات بين ضفتي الأطلسي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت دول أوروبا منقادة للأوامر الأمريكية. غير أن تغير الظروف وانقلاب الواقع العالمي لصالح قوى عظمى جديدة، جعل الولايات المتحدة التي كانت تقود الغرب، تغرق في متاهات لا تستطيع الخروج منها، ولعل أهمها متاهة الديون التي تعاني منها والتي تريد أن تحمّل جزءاً منها لشركائها الأوروبيين. وكانت إسبانيا أول امبراطورية تظهر في أوروبا في مطلع القرن السادس عشر، وظلت على مدى قرنين من الزمان تمثل مع النمسا، أكبر امبراطورية عرفها تاريخ أوروبا، وهي الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وقد ساهم ظهور دول أوروبية أخرى مثل هولندا وفرنسا وبريطانيا في تقليم أظافر تلك الإمبراطورية حتى تحطمت في النهاية عام 1806، عندما تنازل الإمبراطور فرانسيس الثاني عن لقبه وحلّ الإمبراطورية تحت ضغط الانتصارات العسكرية الساحقة للإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت في أوروبا.
وقد سيطر نابليون على إسبانيا عام 1808، وكان ذلك الشرارة التي أدت إلى انفصال المستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية وظهورها كدول مستقلة كما هي عليه اليوم. وتداعت إسبانيا، بعد ذلك، وسارت من ضعف إلى ضعف أكبر، وأرادت الولايات المتحدة شق قناة بنما فاستغلت قيام ثورة في كوبا ووقفت إلى جانب الثوار ضد الحكم الإسباني هناك، الأمر الذي دفع إسبانيا إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة عام 1898 وهي الحرب التي خسرتها إسبانيا وفقدت آخر مستعمراتها في أمريكا اللاتينية وهي كوبا وبورتوريكو، والمستعمرة الأخرى في الشرق الأقصى وهي الفلبين. وقد ازداد ضعف الملكية الإسبانية في القرن العشرين وقلّت مواردها وظهر الفقر بين الشعب الإسباني ما أدى إلى ظهور حركة شيوعية سرعان ما التفّ حولها جمهور كبير، ونجح الشيوعيون في الوصول إلى الحكم عام 1936 وإقامة جمهورية إسبانيا الشيوعية. وكان الاتحاد السوفييتي السابق يدعم الشيوعيين، كما كانت فرنسا تدعمهم لكي تطمس أي أثر للملكية الإسبانية. وفي المقابل أعلنت ألمانيا النازية وإيطاليا تحت حكم موسوليني أنهما ستقفان إلى جانب القوى المعارضة للشيوعيين، وبدأ نقل السلاح والرجال والمال إلى إسبانيا، وبدأت أخطر حرب أهلية جرت في أوروبا عبر تاريخها. وانتهت تلك الحرب عام 1939 بانتصار المحور المعادي للشيوعيين بقيادة الجنرال إنريكو فرانكو، الذي حكم إسبانيا حتى وفاته عام 1975، حيث اجتمعت إرادة الإسبان على إعادة الملكية بشخص الملك خوان كارلوس، لكن أصبحت الملكية دستورية. ولم ترتبط إسبانيا بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة حتى دخلت إلى الاتحاد الأوروبي بعد عودة الملكية إليها. ولذلك ظلت لإسبانيا شخصيتها المميزة عن غيرها من دول أوروبا، وهذا ما ظهر علناً عندما رفضت طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإنفاق على حلف شمال الأطلسي بمقدار 5 في المئة.
ومؤخراً رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة، أو مجالها الجوي لشن أي هجمات خلال الحرب في الشرق الأوسط. وقد قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معاقبة إسبانيا، فأصدر أمراً بفرض حظر تجاري عليها. وتظهر بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي أن إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتحدة وإسبانيا بلغ 47 مليار دولار العام الماضي. وتوضح بيانات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأمريكية أنه عند إضافة تجارة الخدمات، بما في ذلك قطاع السفر، يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 74.5 مليار دولار، ما يضع إسبانيا في المرتبة الثالثة والعشرين بين أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وتبيع الولايات المتحدة لإسبانيا أكثر مما تستورد منها، إذ بلغت صادراتها إلى السوق الإسبانية 26 مليار دولار في عام 2025، مقابل واردات بقيمة 21.35 مليار دولار، ما نتج عنه فائض تجاري أمريكي قدره 5.25 مليار دولار.
وتعد الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا، إذ تتجاوز استثماراتها الرأسمالية الإنتاجية نحو 132 مليار دولار، وتشير أحدث تقديرات حلف شمال الأطلسي إلى أنه من المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي الأساسي لإسبانيا إلى 35.41 مليار يورو عام 2026. ومن دون شك فإن تدهور العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة سوف يؤثر على العلاقات على جانبي الأطلسي، فإسبانيا هي دولة شريكة في الاتحاد الأوروبي، وفرض عقوبات اقتصادية أمريكية عليها سوف ينعكس سلباً على الاقتصاد الأوروبي بشكل عام، كما أن العلاقات السياسية بين الجانبين سوف تتأثر، وربما قد يحاول الاتحاد الأوروبي تليين موقف إسبانيا ودفعها إلى اتباع سياسات أكثر مرونة مع الولايات المتحدة، لكن على الأغلب لن تقبل إسبانيا بالتنازل، ربما لأنها تدرك أن العالم تغير وأن الاتحاد الأوروبي نفسه لن يبقى، وهي تريد أن تحجز لنفسها مكاناً في نادي الدول القوية الجديدة، وهي لديها الإمكانيات البشرية والاقتصادية ولها ماضٍ يؤهلها لتلعب دور الدولة الكبرى في العالم.
