لعل من أهم إنجازات دولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها، بناء سياسة خارجية قائمة على تبنّي مبدأ وعقيدة الاتزان والشراكات الاستراتيجية، وهي التي تقف اليوم وراء هذا الدور والمكانة الدولية التي جعلت دولة الإمارات حاضنة كبرى للكثير من الأنشطة الداعمة للأمن والاستقرار والتطور الداخلي والإقليمي والدولي، وهذه السياسة تفسر لنا نجاح دولة الإمارات وتحولها لمحور فاعل ومؤثر في التحولات السياسية وخصوصاً على المستوى الخليجى.كما أنها تفسر لنا أيضاً كيف نجحت دولة الإمارات في أن تجنب نفسها التورط في الأزمات والنزاعات التي تشهدها المنطقة. وهذه السياسة هي محور عقيدة ورؤية القيادة الرشيدة منذ عهد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتنطلق من فرضية أساسية وهي الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للدولة ولمنطقة الخليج التي تعتبر من أهم المناطق في العالم، حيث تلتقي عندها كل الإرادات السياسية الإقليمية والدولية.
لا شك، أن مواجهة هذه التفاعلات يكون بتبني سياسة الاتزان والعقلانية وبناء شراكات استراتيجية مع كافة الدول تجنبا للدوران في دائرة واحدة ضيقة. وترسي دولة الإمارات سياستها على مبادئ متجذرة في عمق أرضها وتقاليدها القبلية الثابتة وعلى عمق القيم العربية والإسلامية في التسامح والتعايش المشترك والإنسانية والسلام ونبذ العنف والكراهية واليد الممدودة في كل أنحاء المعمورة للمساعدة دونما تمييز. وتقوم هذه السياسة على أسس ومبادئ أولها بناء دولة قوية بمؤسساتها وثقافتها المنفتحة على كل الثقافات والحوار لغة وأسلوباً، وبناء دولة المواطنة والتنمية المستدامة. وثانيها احترام سيادة الدول والمصالح المشتركة المتبادلة، وثالثها، نبذ سياسات القوة في العلاقات وتبني الدبلوماسية الإنسانية، ورابعاً، دعم المنظمات والمؤسسات الدولية والمشاركة بفاعلية في أنشطتها ودعمها مالياً. وخامساً، تبني مقاربة السلام والتعايش المشترك بين كل الشعوب ونبذ خيار ومقاربة الحروب في العلاقات بين الدول. وسادساً، المساهمة في حل وإدارة المنازعات والأزمات الدولية، ومثال واضح على ذلك الوساطات الناجحة التي قامت بها الدولة بين أوكرانيا وروسيا والتي أدت إلى تبادل آلاف الأسرى وتسهيل اللقاءات التفاوضية بين الطرفين.وسابعاً، حماية سيادتها وتبني كل ما من شأنه تحقيق مصالح البلاد على كل الصعد.
وهذه السياسة ترجع بجذورها للمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه والذي أدرك منذ البداية أن الهدف هو بناء دولة الإمارات وبناء الإنسان الواعي المحب لوطنه وتجنب كل ما يؤدي إلى الحروب والصراعات الإقليمية والدولية، إلى جانب الحضور الفاعل في الأمم المتحدة والمؤسسات المتفرعة عنها، وجامعة الدول العربية وتشجيع بناء المنظومة الخليجية. والمثال البارز على هذه السياسة المتوازنه وتوسيع شبكة العلاقات الاستراتيجية، تبني دبلوماسية الحوار ودبلوماسية السلام، والتأسيس لدولة القيم والمبادئ الإنسانية وبناء القوة الناعمة وتبني سياسة فتح الأبواب مع كافة الدول بما يخدم مصالحها المشتركة. وكان الهدف من وراء هذه السياسة الحفاظ على استقلالية الدولة وتوسيع خريطة دورها بالمساهمات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وتجسد نجاح هذه السياسة بتبني ووجود ما يقارب مئتي جنسية يعملون في دولة الإمارات يتمتعون بكافة الحقوق الإنسانية. فلقد أدرك المؤسس بحسه القيادي وحكمته السياسية وامتداد رؤيته أن الإمارات عند نشأتها في بداية السبعينات التي تعتبر من أكثر المراحل التاريخية صراعاً إقليمياً ودولياً حيث اتسعت معاناة بعض الدول من الضعف وفراغ القوة والأطماع الإقليمية والدولية، فكانت الخطوة الأولى للمؤسس التركيز على بناء الدولة وبناء المواطن بتوفير البنية التحتية من التعليم والصحة وبتبنّيه سياسة متوازنة بعيدة عن الصراعات والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، من قناعة نابعة وراسخة تؤكد أن مواجهة هذه التغيرات لا يكون إلا بالدولة القوية والمواطن القوي والسياسة العقلانية الواقعية.
إن سياسة الاتزان تتسم بالبراجماتية والواقعية وليس بالخيال، وهي تعني الحراك سياسياً وفقاً لمصالح الدولة والتمسك بالقيم والمبادئ الإنسانية. والسمة الثانية المرونة السياسية والابتعاد عن سياسات العزلة والانغلاق التي تتعارض مع الخصائص الجيوسياسية للدولة. هذه السياسة هي التي تميز الدبلوماسية الإماراتية والتي تعكس رؤية وحكمة القيادة الرشيدة، وأساس الانطلاق فيها التفاعل الإيجابى مع التغيرات والتحولات، وحكمة هذه السياسة أنها تحل إشكالية أن العزلة والانغلاق وعدم التفاعل تعني فقدان الدولة لمصالحها والتسليم والاستسلام لهذه المتغيرات، وأن تجنبها سلبياً يستوجب تبني دبلوماسية الاتزان والشراكات الاستراتيجية والتحالفات الإيجابية التي تربط الدولة بالدول الأكثر تقارباً وتجاوباً مع مصالح الدولة وقيمها. وتتجسد هذه السياسة في الزيارات العديدة التي يقوم بها المسؤولون اليوم والتي تتسم بالتنوع مع كافة القوى والدول، وعدم الركون لدولة واحدة، مما يعمق من هوية الدولة الوطنية وتنامي دورها ومكانتها الإقليمية والدولية، ويجعل منها دولة عالمية فى دورها ومكانتها السياسية.
