دعاني صديق باريسي إلى العشاء في شقته، وهناك اكتشفت أمراً لم أكن أتوقعه، فبرغم أنه يملك الشقة، لا يحق له تركيب جهاز تكييف. وليس هو وحده، بل يسري ذلك على معظم المباني السكنية المشتركة في الدائرة البلدية التي يقيم فيها، والتي يقطنها نحو 400 ألف نسمة.
في فرنسا تحدد القوانين والبلديات الأماكن التي يُسمح فيها بتركيب أجهزة التكييف، نظراً لاستهلاكها الكبير للكهرباء، ولأن أوروبا ما زالت تواجه تحديات في أمن الطاقة. وفي كثير من المدن الأوروبية يُنظر إلى التكييف على أنه وسيلة للراحة أكثر منه ضرورة، بخلاف التدفئة أو الثلاجة أو الإنارة. وبطبيعة الحال، توجد أحياء لا تنطبق عليها هذه القيود، وغالباً ما تكون في المناطق الأعلى دخلاً.
خلاصة الأمر أن شراء جهاز تكييف وتركيبه، حتى لو كان صغيراً، ليسا قراراً شخصياً في كثير من الحالات، بل يخضعان للوائح وقوانين قد تمنع ذلك.
الحمد لله أننا في الخليج لا ننظر إلى أجهزة التكييف باعتبارها من وسائل الرفاهية، لكن رؤية رجل أوروبي وطفليه يجلسون لساعات داخل سيارة صغيرة هرباً من الحر فقط لأنها المكان المكيف الوحيد المتاح لهم، كانت مشهداً مؤثراً أن تراه في مدن أوروبية عريقة.
وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة أن أجهزة التكييف والمراوح تستهلك نحو خُمس الكهرباء المستخدمة في المباني، أي ما يعادل قرابة 10% من إجمالي استهلاك الكهرباء في العالم، غير أن هذه الأرقام لا تعكس واقع دول الخليج، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 60 و70% من الكهرباء المنتجة يذهب لتلبية احتياجات التكييف. إنها فاتورة ضخمة ستزداد مع نمو السكان والاقتصاد، لكن من الصعب تصور أي بديل في مناخ تصل فيه درجات الحرارة إلى مستويات قاسية.
ولذلك يبرز سؤال مهم: هل آن الأوان لوضع سياسات متخصصة لإدارة كلفة التبريد، وتشجيع المباني الأكثر كفاءة، وتحفيز التقنيات التي تخفض استهلاك الطاقة دون المساس بجودة الحياة؟
وربما يكون الوقت مناسباً أيضاً لإنشاء معهد أبحاث خليجي مشترك يُعنى بتطوير حلول مبتكرة للتبريد، بتمويل وتعاون من دول المجلس، فمثل هذا المشروع لن يسهم فقط في خفض فاتورة الطاقة، بل سيخلق فرصاً للباحثين الخليجين والمهندسين الشباب، ويجسد نموذجاً عملياً للتكامل الخليجي. وإذا كان الحرّ هو القاسم المشترك بين شعوب الخليج، فلنجعل البحث عن حلول له مشروعاً خليجياً مشتركاً يعود بالنفع على الجميع.
