يرتكز الإعلام السياسي، خاصة في القنوات الإخبارية، على قاعدة مهمة: «ليس الهدف أن يسمعنا الآخر، بل أن يستمع إلينا»، فالسماع قد يحدث دون انتباه، أما الاستماع فهو فعل واعٍ يعكس اهتمام المتلقي وثقته بما يُقدم إليه. لذلك لا يقاس نجاح الوسيلة الإعلامية بمجرد وصولها إلى الجمهور، بل بقدرتها على التأثير في فهمه، والمساهمة في تشكيل قناعاته، وكسب ثقته على المدى الطويل.
وإذا فشلت الوسيلة الإعلامية في التأثير، أصبحت رسائلها مجرد محتوى عابر لا يغيّر رأياً، ولا يصنع قناعة، ولا يدفع المشاهد إلى إعادة النظر في موقفه. وقد تحقق انتشاراً واسعاً أو تحصد ملايين المشاهدات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها نجحت في أداء رسالتها، فالمصداقية ليست في ما يُبث، بل في ما يبقى في ذهن المتلقي بعد انتهاء البث.
يتكوّن المشهد التلفزيوني الإماراتي من أربعة مكونات رئيسية، لكل منها جمهوره، وأهدافه، ورسائله، ودوره في المنظومة الإعلامية الوطنية.
المكون الأول هو القنوات الموجهة لمواطني دولة الإمارات. وتمتلك كل إمارة تقريباً قنواتها الخاصة، وهو ما يعكس نجاحاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي والاجتماعي داخل الدولة، ويمنح كل منطقة مساحة للتعبير عن خصوصيتها وتاريخها وتراثها.
ومع ذلك، تستطيع هذه القنوات أن تؤدي دوراً أكبر في توثيق الهوية الإماراتية بمختلف مكوناتها، وفي مقدمتها اللهجات المحلية، فاللهجة ليست مجرد طريقة في النطق، بل هي وعاء للذاكرة الشعبية، وتحمل في مفرداتها قصص المكان وأسلوب الحياة وعلاقة الإنسان ببيئته، بل إن بعض الكلمات والتعابير لا تزال مقتصرة على قبائل أو مناطق معينة، الأمر الذي يجعل توثيقها مسؤولية ثقافية قبل أن يكون مشروعاً إعلامياً.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق مشاريع وطنية حديثة تستخدم الذكاء الاصطناعي وتقنيات الأرشفة الرقمية لتسجيل اللهجات بالصوت والصورة، وإتاحة هذا الإرث للأجيال القادمة، تماماً كما تفعل كثير من الدول التي تعتبر تنوعها اللغوي جزءاً من أمنها الثقافي وهويتها الوطنية.
ومع تطور الحياة، واتساع فرص التعليم والعمل والتنقل بين إمارات الدولة، ستتراجع اللهجات المحلية تدريجياً، وسيظهر نمط لغوي إماراتي مشترك يجمع مفردات من مختلف المناطق. وهذه ظاهرة طبيعية فرضتها حركة المجتمع، لكنها لا تعني أن نترك اللهجات الأصلية تندثر بصمت، لأن فقدانها يعني فقدان جزء من الذاكرة الوطنية.
أما المكون الثاني فهو القنوات المحلية التي تخاطب الجمهور العربي داخل الدولة وخارجها. ويلاحظ أن المحتوى الترفيهي يستحوذ على الجزء الأكبر من ساعات البث، بينما تعتمد النشرات الإخبارية بصورة رئيسية على تغطية الأنشطة الحكومية، وهي بلا شك أنشطة تستحق الاهتمام لما تعكسه من حجم التنمية والحراك الذي تشهده الدولة.
لكن يبقى السؤال: هل يكفي نقل النشاط الرسمي وحده لجذب المشاهد العربي؟ ففي زمن الإعلام الرقمي لم يعد السباق على نقل الخبر، لأن الخبر يصل إلى الجميع في اللحظة نفسها، وإنما أصبح التنافس الحقيقي على جودة المعالجة، وعمق التحليل، والقدرة على تفسير الأحداث وربطها بما يهم الجمهور ويشغل اهتماماته.
المكون الثالث هو القنوات الإخبارية المتخصصة مثل «سكاي نيوز عربية»، و«العربية»، و«الجزيرة». ورغم اختلاف مدارسها التحريرية، فإنها تخاطب جمهوراً عربياً متشابهاً، وتسعى كل منها إلى بناء الثقة والتأثير في الرأي العام. أما القنوات الناطقة بغير العربية التابعة لهذه الشبكات، فهي تتوجه إلى جمهور دولي، وتنقل رؤية الدول الداعمة لها، وهو أمر تمارسه معظم الدول التي تمتلك حضوراً إعلامياً عالمياً.
ومن الملاحظ أن معظم القنوات الإخبارية تعتمد بصورة كبيرة على برامج الحوارات السياسية والمناظرات بين الضيوف، والتي يعاد بثها مرات عديدة على مدار اليوم. ونرى أن كثيراً من هذه البرامج لا يختلف كثيراً عن البرامج الإذاعية، فلو أغلقت الشاشة فلن تفقد شيئاً من مضمون الحوار. والتلفزيون في جوهره هو الصورة، والمشهد، والتقرير الميداني، والتحقيق الاستقصائي، والوثائقي الذي ينقل المشاهد إلى قلب الحدث. وعندما تتراجع هذه العناصر، يفقد التلفزيون أهم ما يميزه عن الإذاعة.
واليوم، لا ينافس التلفزيون القنوات الأخرى فقط، بل ينافس الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث عند الطلب، التي أصبحت تستحوذ على جزء كبير من وقت الجمهور. لذلك لن يمنح المشاهد وقته إلا لمحتوى يقدم قيمة مضافة، أو معلومة حصرية، أو صورة لا يجدها في مكان آخر.
أما المكون الرابع فهو الإعلام الرقمي، وهو الأسرع نمواً والأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الشابة. ورغم أهميته المتزايدة، فإنني أترك الحديث عنه لأهله، لأن لكل مجال خبراته وأدواته المختلفة.
ويبقى سؤالان مهمان: لماذا لا تنشر القنوات المدعومة حكومياً تقارير دورية وشفافة عن نسب المشاهدة، ومدى الانتشار، ومستوى التأثير، مقارنة بالقنوات المنافسة؟ ولماذا لا تتحول هذه المؤشرات إلى أدوات لتقييم الأداء، وتحفيز المنافسة، وتكريم القنوات الأكثر نجاحاً في الوصول إلى جمهورها؟ فالتقنيات الحديثة، سواء عبر المنصات الرقمية أو أجهزة الاستقبال الذكية، أصبحت قادرة على قياس سلوك المشاهد بدقة كبيرة، ولم تعد الأرقام مجرد تقديرات. ولكل مشاهد بصمته الخاصة، وهو الذي يقرر ماذا يشاهد، وماذا يتجاهل، وهذه البصمة هي المقياس الحقيقي لنجاح الرسالة الإعلامية.
وهناك دروس كثيرة يمكن الاستفادة منها إحداها تجربة تلفزيون أبوظبي، الذي تشرفت بالعمل ضمن فريقه بين عامي 2001 و2008، ففي ذلك الوقت، وقبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كان الهدف واضحاً: «أن نصبح مصدراً للخبر، لا ناقلين له». وقد جاءت حرب العراق عام 2003 لتكون الاختبار الحقيقي لهذا التوجه. وبفضل الاستثمار في المراسلين، والبث الميداني، والوجود المباشر في قلب الأحداث، نجحت قناة أبوظبي الإخبارية في أن تصبح أحد المصادر الرئيسية للأخبار بالنسبة للمشاهد العربي، ووصلت نسب مشاهدتها خلال تلك الفترة إلى مستويات غير مسبوقة، لأن الجمهور كان يبحث عن المعلومة من مصدر يثق به، لا عن تكرار ما تبثه الوكالات.
وفي كتاب «أم كلثوم في أبوظبي» لمحمد المر، وفي سياق الحديث عن زمن الفن الخالد، يذكر الكتاب أنه عندما كانت تغني أم كلثوم وتبث إذاعياً لكل العرب، لا عليك إلا أن تقود سيارتك لتستمتع وتطرب لساعات، وإن انقطع البث فاعلم أنك خرجت من خريطة الوطن العربي الكبير. وربما كانت تلك الصورة البسيطة تختصر معنى التأثير الحقيقي، فالإعلام الناجح ليس هو الذي يصل إلى الناس فقط، بل الذي يصبح جزءاً من يومهم، ومن ذاكرتهم، ومن وجدانهم.
