شهد الجيل الذي أنتمي إليه، نهايةَ نظام توازن القوى بنشوب حرب عالمية، جرى في هذه الحرب استخدام السلاح النووي لأول مرة بحجة أنه بدون استخدام هذا السلاح لما انتهت الحرب العالمية الثانية بالشكل الذي انتهت عليه، ولا في الوقت الذي انتهت فيه. انتهت على شكل نظام دولي ثنائي القطبية، وفي وقت اكتملت فيه أو كادت تكتمل مقومات القوة والقيادة لكل قطب من القطبين على مجموعة حلفاء قبلوا طوعاً أو قسراً الانسياق وراء إرادة وتسيير قوة عظمى.
قيل «كلام»، وصار يتردد، مفاده أن شكلاً ما أو أشكالاً متعددة لنظم إقليمية في الشرق الأوسط جارٍ حالياً الترويج لها. الشرق الأوسط حسب الخرائط الجيوسياسية الأحدث، أقصد به الإقليم الواقع جغرافياً بين ليبيا غرباً وباكستان شرقاً، وبين سواحل قزوين شمالاً وسواحل بحر العرب جنوباً. نسمع عن مشروعات نظام إقليمي تحت عنوان إسرائيل الكبرى، ونظام إقليمي نيلي، ونظام إقليمي لمجموعة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، ونظام الهلال الخصيب مجدداً، ونظام الدول الإسلامية الشرق أوسطية.
إنه التعدد المبالغ فيه والمتعمّد؛ تكوينات نظرية لا تستند في الواقع إلى أساس أو شرعية. جميعها ظهرت أو ارتفع صوتها في أعقاب ما ساد من أفكار أو سياسات تعلن ضمناً أو صراحة نهاية النظام الإقليمي العربي. يسود اعتقاد بأن النظام العربي يعاني منذ فترة غير قصيرة تداعياتٍ وتبعات انفراطات خطِرة تحدث على مستويين؛ المستوى الأول هو الانفراطات الداخلية، أخص بالذكر أحداث العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان وليبيا واليمن، وكلها حسب ما تيقنا وقعت تحت ضغط فاعل خارجي انتهز فرص ممارسات عنف وظلم وتجاوزات بغير حدود. أما المستوى الثاني وأقصد به أعمال التمرد على قواعد وأخلاقيات النظام الإقليمي العربي، فهو متعلق أيضاً بتطورات كانت في الأصل بين الأسس التي قام عليها أو قام من أجل دعمها وحمايتهـا النظــام الإقليمـي العربي وتكويناتـه المؤسسية، مثل جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة.
هذا المستوى متعلق كذلك بتغيرات من نوع النزعة القومية الجارفة، كما حدث خلال الحروب مع إسرائيل وتصعيد إسرائيل لإجراءات العنف.
النظام الإقليمي لا ينشأ فــي فراغ. ينشأ قوياً ومحدد الأهداف في حضن نظام دولي قائم ومكتمل، وينشأ ضعيفاً في ظل نظام دولي غير مكتمل النضوج. النظام العربي نشأ برعاية نظام فرعي من دولتين استعماريتين استغلتا نقص الدراية اللازمة من جانب الولايات المتحدة بقضايا المنطقة العربية وطموحاتها، وغياب الاهتمام من جانب الاتحاد السوفييتي، الطرف الثاني في النظام الدولي الجديد. لم ينتظر البريطانيون والفرنسيون اكتمال تشكيل هذا النظام الدولي وأقدموا وحدهم على صنع نظام إقليمي جديد مستعينين فقط بتجربتهم الاستعمارية، وهي التجربة التي أثبتت فشلها بعد عشر سنوات في أول صدام سياسي بين الدولتين من جهة وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في حرب السويس من جهة أخرى.
مرة أخرى نسمع من يردد مقولة إن بناء المؤسسات التكاملية شرط ضروري وكافٍ لبناء نظام إقليمي فاعل تتكامل فيه الأجزاء وتذوب الفوارق، وربما أفلح في خلق الشعور بقومية مشتركة. قرأنا أنها نجحت في الولايات المتحدة، ولكن بكُلفة باهظة في الأرواح واسترقاق الزنوج والحرب الأهلية، ثم حروب أخرى في أمريكا الجنوبية والعالم العربي. نتذكر كذلك، كيف أسهمت القومية في شحذ الهمم العربية في أنحاء كثيرة من العالم العربي للحصول على الاستقلال الوطني، حتى تحقق فعلاً.
غير خافٍ على أحد أن تجربة صنع نظام إقليمي عربي، ووجهت منذ بدايتها بتحديات أكثرها مخطط له من الخارج. إلا أننا يجب أن نعترف بأن النقص الشديد والمفاجئ في عدد التكامليين العرب من سياسيين واقتصاديين وفنيين يقف وراء العجز البادي في القدرة الذاتية العربية على إطلاق تجربة ثانية.
يبقى لنا أيضاً الأمل في أن ينتبه المسؤولون العرب قبل فوات الأوان إلى حقيقة أنه بدون سياسة تكامل إقليمي وعقول تكاملية عربية لن نتمكن من تحقيق الإنجاز المنشود في مجال الذكاء الاصطناعي والثورة الملحقة به والمستقبل الناطق باسمه.
