الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا أخفق «الإخوان» في اكتساب نفوذ داخل الصين؟

30 يوليو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 30 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
منذ صعود تيارات الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، ولا سيما بعد أحداث ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، برز سؤال مهم حول حدود تمدد هذه التيارات خارج بيئاتها التقليدية. وفي هذا السياق، تبدو الحالة الصينية نموذجاً لافتاً، إذ فشلت جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من طابعها العابر للحدود وسعيها التاريخي لبناء شبكات تأثير خارج العالم العربي، في إيجاد موطئ قدم حقيقي داخل المجتمع الصيني أو بين مسلميه. وسبب ذلك يعود إلى تداخل عوامل سياسية وأمنية وثقافية جعلت البيئة الصينية من أكثر البيئات مناعة أمام هذا النوع من الاختراق .
أول هذه العوامل يتصل بطبيعة النظام السياسي في الصين، فالدولة الصينية الحديثة لا تسمح بقيام أي نشاط سياسي أو دعوي  خارج الإطار الذي تراقبه الدولة بشكل مباشر. وفي هذا المناخ، يصبح من الصعب على تنظيم مثل الإخوان المسلمين، الذي يقوم على بنية تنظيمية وفكرة أممية عابرة للحدود، أن يتسلل أو ينمو أو يعيد إنتاج نفسه داخل المجال الصيني المغلق بإحكام.
العامل الثاني هو أن «الإخوان» يطرحون تصوراً سياسياً يرى أن الرابطة العقائدية يمكن أن تتجاوز الدولة القومية وحدودها، بينما تبني بكين شرعيتها المعاصرة على مركزية الدولة ووحدة الأمة الصينية وعلوية الولاء الوطني على أي انتماء آخر. لذلك، بدا التصادم بين المشروعين شبه حتمي: مشروع الدولة القومية الصلبة من جهة، ومشروع أيديولوجي أممي ذو مرجعية دينية من جهة أخرى.
كما أن السياسة الصينية المعروفة بـ«صيننة الأديان» لعبت دوراً حاسماً في تقويض أي قابلية لتغلغل أفكار «الإخوان». فهذه السياسة تسعى إلى إعادة تشكيل الممارسة الدينية بحيث تنسجم مع الثقافة الصينية والاشتراكية ذات الخصائص الصينية. وضمن هذا التوجه، تُرفض أي صلات تنظيمية أو فكرية عابرة للحدود، وتُراقب المطبوعات والرموز والخطابات الآتية من الخارج، وتُفرض على الهيئات الدينية الرسمية قيود تضمن عدم تحولها إلى منصات مستقلة للتعبئة.
ومن المهم أيضاً الانتباه إلى أن المسلمين في الصين ليسوا كتلة اجتماعية متجانسة يمكن استقطابها بخطاب واحد. فالمسلمون من قومية «هوي» مثلًا اندمجوا تاريخياً في المجتمع الصيني،  الأمر الذي جعلهم أقل قابلية لتبنّي خطابات سياسية وافدة من الخارج. أما في إقليم شينجيانغ، حيث يعيش الإيغور، فإن الدولة تتعامل مع الملف من منظور أمني، وتفرض مستويات مرتفعة من الرقابة والسيطرة تحول دون نشوء أي امتدادات تنظيمية ذات بعد خارجي. وبين هذين النموذجين، لا يبدو أن جماعة الإخوان وجدت قاعدة اجتماعية متقبلة.
يضاف إلى ذلك أن الصين تابعت عن كثب مآلات صعود الإسلام السياسي في المنطقة العربية بعد عام 2011. فمن منظور بكين، لم تُفضِ تجارب صعود «الإخوان» إلى الاستقرار أو التنمية، بل ارتبطت في كثير من التقديرات الصينية بحالة من الاضطراب السياسي والحروب الأهلية في بعض الحالات. هذه القراءة عززت لدى صانع القرار الصيني قناعة بأن الإسلام السياسي ليس شريكاً موثوقاً في بناء الدولة. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تتجه بكين بعد تلك المرحلة إلى توثيق علاقاتها مع دول عربية تتبنى موقفاً مناهضاً لجماعة الإخوان،  بما عزز التنسيق السياسي والأمني في مواجهة أي مسارات تمويل أو تغلغل ناعم قد تستفيد منها الجماعة.
ولا يقل أهمية عن كل ما سبق غياب الحاضنة الشعبية لفكر «الإخوان» داخل الصين. فالتنظيم، رغم قدرته التاريخية على التكيّف مع بيئات متعددة، احتاج دوماً إلى حد أدنى من المجال العام، وإلى وجود نخب دعوية أو تعليمية أو مجتمعية تتبنى خطابه وتعيد إنتاجه محلياً. لكن هذا الشرط لم يتوافر في الحالة الصينية.
صحيح أن في الصين جماعة إسلامية تُعرف باسم «الإخوانيين» أو «ييهواني»، لكن هذه التسمية قد تكون مضللة عند النظر إليها من خارج السياق الصيني. فهذه الجماعة نشأت محلياً داخل الإطار الإسلامي الصيني، وتعود جذورها إلى حركة إصلاحية ضمن المذهب الواحد، من دون أن تكون لها صلة تنظيمية أو فكرية بجماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط. وهذا التفصيل مهم، لأنه يوضح أن التشابه اللفظي لا يعني وجود امتداد أيديولوجي، كما يكشف حدود إسقاط التصنيفات العربية على واقع ديني شديد الخصوصية مثل الواقع الصيني.
في المحصلة، لم يكن فشل الإخوان المسلمين في اكتساب نفوذ داخل الصين نتيجة ضعف عابر في الأداء أو قصور في الأدوات، بل نتيجة اصطدامهم ببنية دولة شديدة الصلابة، وهوية قومية متماسكة، وواقع اجتماعي وثقافي لا يوفر قاعدة استقبال لخطابهم.
*أستاذة مشاركة في كلية العلوم السياسية والاقتصاد، جامعة بني سويف، مصر. وخبيرة في السياسة الصينية. (موديرن دبلوماسي)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة