ألا يبدو لك أن المسيرة التعليمية في العالم العربي تشبه الهروب من القطرة إلى الميزاب؟ تحتاج القضية إلى أخذ العبر، لمعرفة المبتدأ والخبر. لقد عانت البلاد العربية أكثر من قرنين من الاستعمار، والحبل على الجرّار. الدليل على فشل السلام، نجاح سلام: «داوِ جرح بيخلق جرح».
طوال مئتي عام لم يتعلم المغلوب من الغالب علومه وفنونه، بُناه التحتية والفوقية وما بينهما. العبقريات اجتذبها الغرب بالترغيب، أو سلبها بالترهيب. لك أن تحار في طرائق التفكير العربية، التي كانت متوازية ومتناقضة، وكلها خارجة عن سكك المنطق والعقل. منها فئات ماضوية، غير أنها بالرغم من ادّعاء الأصالة، لا تفكّر ولو للحظة في أن الحضارة الإسلامية هي انفجار عظيم لكل جديد وتجديد في جميع المجالات. فكيف لم تنبثق في أذهانهم مشاريع تنطلق مقتفية آثار العلوم والمعارف الغربية في كل الميادين؟
فئات أخرى كانت تروم القطيعة مع الماضي، تحت مسمّيات شتى، كالتنوير والتطوير والتقدم. كانت تنقصها شمولية النظرة. لم تُعمل الفكر في أن الغرب لم ينظر إلى الأمور على نحو تجزيئي. إلى اليوم لا يستطيع فيلسوف أو مفكر غربي أن يبحث تاريخ الفلسفة كحبّات مسبحة منفصلة. حتى ويل ديورانت انتقى عن وعي وإدراك عنوان كتابه «قصة الفلسفة»، من سقراط إلى هيجل ونيتشه وسانتيانا. مَن مِن الفلاسفة المعاصرين دعا إلى إلقاء تاريخ الفلسفة الغربية في سلة المهملات؟ في المقابل، مَن مِن المفكرين العرب استطاع جماهيرياً شق طريق للعالم العربي، يوصل الماضين إلى عصرنا، ويصل أهل الحاضر بماضيهم؟
تلك كانت صورة القطرة، فماذا عن الميزاب؟ اليوم، يبدو أن التيار يجرف الكثيرين نحو الفرار من الماضي، من الجذور، اللغة العربية تتردّى، العروض والقوافي باتت كأنها تراث نياندرتال. غدت المآثر والمفاخر تحسب بعدد المتابعين في التيك توك. لا اعتراض، لكن هذه الفقاقيع مجرّد زبد يذهب جُفاء، فأين ما ينفع الناس؟ يجب أن تُقرع طبول الويل والثبور في وجوه هؤلاء: البلدان تطير والشعوب تذروها الرياح، والتنميات المتعثّرة بلا علوم ولا معارف، تتوهم تشييد الحضارة بما لا يبني الحظائر؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الملاذيّة: استمدّوا من ماضيكم بناء مستقبلكم بعلوم عصرنا، لا بالفقاقيع الجوفاء.
