عندما يستيقظ أحدنا وهناك شعور يتملّكه بالتقصير أو بتواضع ما أنجزه، رغم اجتهاده ومثابرته وحرصه، أو عندما يضع رأسه على الوسادة لينام، ويتسلّل إليه القلق من خلال أفكار عديدة تداهمه: «أنا دوماً متأخر، يجب أن أكون في مكان أفضل، يجب أن أنجز أكثر»، فإن مثل هذه المشاعر والأفكار هي التي تدفع نحو الركض المتواصل، والاستمرار في تقبّل الضغوط دون معالجتها أو التعامل معها بموضوعية، وبالتالي يصبح الشعور بالهدوء أو حتى بالإنجاز شعوراً يستدعي الإحساس بالذنب.
وكأن طبيعة الحياة المعاصرة التي نعيشها وضعت تعريفاً جديداً، يقيّم الإنسان نفسه من خلاله بما أنجزه وبعدد المهام التي تمكّن من الانتهاء منها. وهذا أنتج متلازمة السرعة، التي جعلت العقل الباطن يعتبر أي استراحة قصيرة أو إجازة أو نزهة محدودة بمثابة تقصير أو كسل، وهو ما يدفعنا إلى أن نعيش في حالة استنفار مستمرة.
يأتي هذا الشعور وينمو من الحياة الرقمية السريعة التي تحيط بنا، والتي باتت تمثّل كل جزء من تفاصيل حياتنا، فمن خلالها نستمد المعلومات، وننهي المهام، ونؤدي الواجبات، وبواسطتها نحصل على الخدمات المختلفة المتعددة بسرعة وكفاءة. هذا الواقع الرقمي السريع جعلنا دون أن نشعر في دوامة من الركض والتسارع، في محاولة للحاق دون جدوى.
وحتى نتمكن من الخروج من هذه الحالة، التي نرى فيها التطور الرقمي المتسارع وطبيعتنا البشرية الاعتيادية التي لا تستطيع مواكبته، نحتاج إلى امتلاك زمام المبادرة، من خلال إعادة تعريف النجاح وماذا يعني، بعيداً عن المعايير الرقمية. أيضاً نحتاج إلى عملية فصل، نفصل فيها القيمة عن الإنجاز، بمعنى أن قيمتنا البشرية هي الأهم سواء أنتجنا أم لم ننتج، ومعها تصبح الراحة حقاً طبيعياً وبديهياً وليست جائزة نحصل عليها عندما نتعب أو نبذل جهداً منهكاً للإنجاز.
كما نحتاج إلى عملية تصحيح في المقارنة، وهذه تبدأ بالوعي والفهم بأن كل ما نراه على الشاشات ليس بالضرورة يتطابق معنا، وبالتالي فإن بداية مهامنا وأعمالنا يجب ألا نقارنها بنتائج الغير ومنجزاته، أو عندما نتعثر بصمت وهدوء ألا نقارن ذلك بإنجازات الآخرين المعلنة.
أعتقد أننا في أمسّ الحاجة في هذا العصر - تحديداً - إلى أن نمنح أنفسنا القدرة على الهدوء والاطمئنان. نحن لسنا متأخرين، نحن نسير وفق إيقاعنا الخاص وطبيعتنا، وهذا كل شيء.
