كيف يمكن اختزال هذا الموضوع في عمود، والبَطلان فيه، الحمام والكبد؟ القضية ليست رومانسيةً كأشجان أبي فراس:«أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ..أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟»، ولا هي فلسفية كحيرة أبي العلاء: «أبَكتْ تلكمُ الحمامةُ أم غنّت على فرع غصنها الميّادِ؟». حتى كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم، لا يحلّ المسألة. أمّا الكبِد فتجعل الإنسان في كَبَد، تائهاً بين الأساطير وعادات المجتمعات البشرية، والطب وعلوم الأحياء. لكن مجلة «لأجل العلم» الفرنسية (9 أغسطس) نشرت مقالاً قيّماً، غير أنه يكدّر الصفو، لكشفه المسافات التي تفصل العالم العربي عن البحث العلميّ. ذكرت المطبوعة أن المنشور منقول بتصرف عن مجلة «ساينتيفيك أمريكان» (28 مايو).
«هل للحمائم بوصلة في الكبد؟». تستطيع أن تجعل العنوان على بحر البسيط: «هل للحمائم في الأكبادِ بوصلةٌ؟» استخدام الحقل المغناطيسي لدى الحيوانات، لتحديد الاتجاه، يُعدّ من أكبر الألغاز في البيولوجيا. الدراسة الجديدة تقترح وجود هذه الحاسّة السادسة، عند الحمائم، في الكبد. العلماء غير مجمعين. النظريات المتباينة كثيرة، وتذهب من المغنيتيت في المنقار، وهو معدن طبيعي مكوّن من أوكسيد الحديد، وأقوى المغناطيسات على الأرض، إلى تصوّر أن لهذه الطيور نوعاً من التشابك الكمومي في العينين. أمّا أحدث البحوث فيعكف على الاختبار البيولوجي للكبد.
الفريق الألماني أتى بفكرة ساطعة لامعة. لقد اكتشف أن في كبد هذه الحمائم الرحّالة، خلايا مناعيةً تحتوي شكلاً خاصاً من الحديد، وأن إزالتها، تُحدث اضطراباً في مسارات ترحال هذه الطيور. الخلايا المناعية تذكّرنا بمرض كثرة التسميات: خلايا بلعميّة كبيرة، البلعم، الملتقمة الكبيرة، الخلايا الأكولة، البالعات الكبيرة.
وظيفة هذه الخلايا هي إزالة فضلات الجسم. عندما تموت كريّة حمراء، يجب التخلص من جثتها والحديد الذي تحتويه، وإلّا أدت إلى ظهور التهاب في الأنسجة المجاورة. هنا تتدخل الخلايا الأكولة وتبتلع الخلية ومحتواها. دوريّاً تُفرغ هذه «الشفّاطة» كيسها، بإعادة تدوير الحديد في ما يسميه قدماؤنا «القصيد» أي مخ العظم، لإنتاج كريّات حمراء جديدة. عند البشر تتركز الخلايا المناعية الغنية بالحديد في الطحال. لدى الحمائم في الكبد، والعجيب، أنها عند نهايات تقاطعات عصبية. ما يعني إشارات إلى الدماغ مباشرة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأمليّة: دعك من الموضوع، واسأل الله أن يكون العالم العربي كالكبد، قادراً على التجدّد في كل آن، رغم الداء والأعداء.
