هل سيصدّقك أحد إذا قلت: إن الفرق الموسيقية العربية، مفاهيمها للفرقة ضبابية وغير متوازنة؟ إحدى العلل، على ما يبدو، صعوبة الانضباط وهوى الاستعراض الفردي «ون مان شو».
منذ عقد أو يزيد، انبثقت حركة ظاهرها مشرّف، وباطنها مؤسف، متمثلة في الفرقة المترامية الأطراف. بإيجاز: حشر موسيقي، نشور أوركسترالي. قل إنها عسكرة الموسيقى، فالفرقة باتت تعني ثلاثة ألوية أو أربعة. الفخامة جميلة، لكن عندما يكون لها دور. الكثرة ليست غاية في حدّ ذاتها. رباعي وتري (كمان أوّل، كمان ثان، فيولا وتشيلو)، من طراز الرباعي 16 لبيتهوفن (خصوصاً بروعة قيادة الياباني الراحل سيْجي أوزاوا)، أفضل من فرقة خمسمئة آلة في عمل عادي أو بلا تأثير. صدق القائل: «بغاث الطير أكثرها فراخاً.. وأمّ الصقر مقلالٌ نزورُ».
ما الذي يجعل الفرقة واهية الوزن، حتى حين تكون جيشاً جرّاراً؟ ما يجب وضعه في الحسبان، في المقام الأول، هو أن الفرقة تشبه المجتمع، تحاكي البرلمان. هي مجموعة أصوات مختلفة، واختلافها رحمة ونعمة وحقل خصب لنمو نباتات حرية التعبير. الاختناق والشمولية يجعلان الآلات كلها تنطق بصوت واحد. لهذا يشعر السامع بأن الخماسي أو السداسي، الوتريّ أو غيره، يجاوز في التناغم والتجاوب، مجموعات عشرينيةً، ثلاثينيةً، وأكثر. الأسوأ من ذلك، تحشيد آلات ضبط الإيقاع. في النموذج المتورّم، نرى في الفرقة فرقة درابيك ودفوف ودوائر، ولكون هذه المسكينات لا صوت لها ولا صدى، تدجّج بميكروفونات، وتصفّح أصابع المدربكين بأغماد بلاستيكية: «كل السيوف قواطعٌ إن جُرّدت.. وبنان ضربك قاطعٌ في غمدهِ». الأنكى هو أن هذا القمع الذي تمارسه آلات ضبط الإيقاع، قد يكون مبرّراً، عندما يكون مستوى التلحين نطيحاً أو متردّياً، لجعل الطبول تمزّق طبلة الأذن، لكن الأذى، لا مبرّر له في أعمال من ألحان الكبار، من طراز بليغ حمدي.
الملاحظة الضرورية، هي أن كثرة آلات الإيقاع وطغيانها، ظاهرة جذورها ضاربة في عصور الموسيقى البدائية، والتصفيق كذلك. لا علينا بالعنتريات الابتكارية، كتلك الفرقة الفرنسية في العقد السابع الماضي، من ثلاثمئة آلة إيقاعية، حتى من مصادر نباتية، كاليقطين وجوز الهند.. وقد استطاعت أداء اللحن المميّز لسيمفونية بيتهوفن التاسعة بكفاءة. غير أن الفانتازيا شيء والتأليف الموسيقي الرفيع شيء آخر.
لزوم ما يلزم: النتيجة التكميلية: هل يعقل أن يغلق ملف قضية كهذه في جلسة واحدة؟
