الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا تعطلت نبوءة هنتنجتون؟

19 أغسطس 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 19 أغسطس 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عندما طرح المفكر الأمريكي الراحل صامويل هنتنجتون نبوءته السوداوية «صدام الحضارات» برر فكرته المثيرة للجدل بأن ميزان القوى بين الحضارات يتغير، وأن تأثير الغرب النسبي يتدهور فيما دور الحضارات غير الغربية يتصاعد، خصوصاً الآسيوية والإسلامية. فالآسيويون تتعاظم قدراتهم الشاملة: الاقتصادية والعسكرية والسياسية ويزداد طموحهم إلى ممارسة دور عالمي. والمسلمون تكاد كتلتهم البشرية أن تنفجر، ويزداد عجز نخبهم الحاكمة عن تلبية المطالب الحياتية لشبابهم الذين يندفعون بدورهم إلى التطرف فالإرهاب كطريق إلى توكيد ذواتهم. افترض هنتنجتون أن الغرب سوف يستمر في الدفاع عن مثل الحداثة السياسية، خصوصاً الديمقراطية الليبرالية، وعن مفهوم الدولة القومية التي تُعرِّف نفسها وتصوغ استراتيجياتها بعيداً عن أي رتوش دينية، وأن التحدي الأساسي الذي يواجه الغرب بعد انهيار الكتلة الشرقية هو الحفاظ على كونه متماسكاً، وعلى استقرار النظام العالمي القائم على الاقتصاد المفتوح والتجارة الحرة. وفي المقابل، افترض أن الآسيويين والمسلمين هم الذين سيهاجمون الغرب ويسعون إلى تدمير النظام العالمي الذي تشكل على أساس هيمنته التاريخية، ما يُفجِّر صداماً حضارياً.
والحقيقة أن ما جرى في العقود الثلاثة التالية على صدور الكتاب كان، في جانب منه، توكيد لما توقعه هنتنجتون. فالعالم الآسيوي، الذي أركز عليه مقال اليوم، مؤجلاً العالم الإسلامي إلى مقال آخر، كان عند حسن ظن هنتنجتون في السعي إلى تنمية قدراته الشاملة، ليصبح ندّاً للغرب على كافة الصّعُد: التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية، مستفيداً من أجواء العولمة التي مكّنته من استقبال عشرات الصناعات وآلاف الشركات الطامعة في عمالته الرخيصة. وبعد سنوات من تقليد تلك الصناعات من خلال آلية الهندسة العكسية، صارت بلدانه شريكاً حقيقياً في تكنولوجيا الثورة الصناعية الثالثة، قبل أن يبادر بعضها ويلعب دور البطولة في الثورة الرابعة: ثورة البيوتكنولوجي والديجيتال والذكاء الصناعي التوليدي، خصوصاً الصين صاحبة القفزة الكبرى على كل الصعد، وفي القلب منها التصنيع العسكري، وبالذات السلاح الجوي الذي امتلكت منه طائرات الجيل الخامس الشبحي، وشرعت في تطوير الجيل السادس، الأمر الذي مكنها من احتلال المركز الثاني في الاقتصاد العالمي بمعيار الناتج القومي الإجمالي مقوماً بالدولار، والمركز الأول بمعيار القوة الشرائية، وهو مؤشر يراه البعض أكثر واقعية.
ارتفع ميزان القوة الشاملة، إذن، في الشرق الآسيوي، فضلاً عن استمرار تمتع أغلب مجتمعاته بقيم جماعية تحض على الانضباط والتضحية. وفي المقابل انخفض ميزان القوة في الغرب، حيث شرعت هيمنة الولايات المتحدة في التآكل النسبي، وباتت المجتمعات الأوروبية منهكة، وشاخت قيمها التنويرية، بعد أن توغلت فيها النزعة الفردية المطلقة إلى مستوى عبادة اللذة والانفلات الجسدي الذي بلغ نقطة ذروته في التطبيع مع الشذوذ، والتقنين المتنامي للمثلية الجنسية، والخضوع المتزايد لصوت مجتمع الميمات، بكل ما يترتب عليه ذلك التحول الأخلاقي الاجتماعي من ضعف الخصوبة ومن شيخوخة بيولوجية جمدت تعداد بعض دول أوروبا الغربية، وأفضت إلى تراجع تعداد بعضها الآخر، ورفعت متوسط الأعمار لدى الجميع، ومن ثم تراجعت نسبة الشباب وارتفعت معدلات إعالة كبار السن على نحو بات يثقل كاهل قوة العمل ويعوق التوسع في بناء جيوش كبيرة.
مع صعود الشرق الكلي وتراجع الغرب في العموم، يفترض، حسب تحليل هنتنجتون، أن ينزلق العالمان نحو الصدام، لكن ذلك لم يحدث، على الأقل حتى الآن، حيث تبدت بعض الكوابح المانعة لهذا الانزلاق، والنابعة من الصين بالذات، التي امتلكت مع عناصر القوة الشاملة قدراً من الحكمة الثقافية والكياسة السياسية، حالت دون اندفاعها إلى الصدام، فخيبت ظن الرجل هذه المرة. فمثلاً، لم تتعجل الصين تفجير الصراع حول تايوان رغم أهمية القضية وملاءمة اللحظة، في ظل تورط أوروبا في أوكرانيا والولايات المتحدة في أوكرانيا وإيران. بل إن الصين لا تسرف في الحديث عما تحقق لها من صعود حضاري، ولا تطرح خطاباً ثأرياً من الماضي الاستعماري، بل تكتفي بالدعوة إلى بناء عالم تعددي أكثر عدلاً وسلاماً، مع الاستمتاع بما تراه من ارتباك أمريكي أمام وقع خطواتها المتحفزة، واثقة من أن للصمت بلاغة أقوى من أي خطاب، وأن التاريخ وحده كفيل بإعلان انتصارها. وبالقطع ثمة دافع أساسي يكمن خلف هذا السلوك وهو الطبيعة الشبكية للاقتصاد العالمي، والتي أحدثت تغييراً جذرياً في بنية الصراع العالمي. فالصين والولايات المتحدة، دخلتا في شبكة اعتماد متبادل تكاد تكون عنكبوتيه، تحتاج كل منهما للأخرى في توفير بعض أهم احتياجاتها، فالمعادن النادرة التي تكاد تحتكرها الصين هي مطلب أمريكي بالغ الأهمية، والرقائق الإلكترونية فائقة التقدم التي تكاد تحتكرها الولايات المتحدة مع تايوان بمثابة مطلب صيني شديد الأهمية، وهذا مجرد مثال واحد على رأس قائمة طويلة، الأمر الذي يجعل فكرة الصدام العسكري على النحو الذي تصوره هنتنجتون أمراً بعيد المنال، ويضفي على المنافسة بين القطبين العالميين، طابعاً سلمياً، وإن كان سلماً متوتراً، مشوباً بالقلق والخوف والطموح إلى الهيمنة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة