تعودت الحكومة الإسرائيلية أن تلجأ إلى أسوأ ما تستطيعه، من فعل أو تصريحات، عندما تجابه أزمة. وبعد ثلاث سنوات إلا شهراً من الحرب العدوانية على غزة، وما تخللها من صراع مع إيران، واعتداء على لبنان، ما زالت أجندتها عالقة في المأزق المتطرف نفسه، ولم تتجاوب حتى مع الخطة الأمريكية المعلنة الخاصة بقطاع غزة.
في الطريق إلى انتخابات الكنيست، أواخر الشهر المقبل، يبدو أن الخطاب السياسي المتشدد يمثل الورقة الأخيرة لحكومة بنيامين نتنياهو الحالية، للحفاظ على قاعدتها الانتخابية والاستمرار في الحكم، وسط انقسام حاد بين رؤية إسرائيلية متطرفة ترفض التنازلات، وضغوط دولية تطالب بالاستجابة لمبادرات السلام، وتحقيق الاستقرار، وتصفية الأزمات الإقليمية.
ومن الواضح أن هروب إسرائيل إلى الأمام عبر التصعيد، اللفظي والميداني، يضع نخبها المتطرفة في مسار تصادمي مباشر مع أقرب حلفائها الغربيين، وفي مقدمتهم واشنطن التي لم تعُد تخفي ضجرها من الحكومة الحالية، وعبّر عن ذلك الرئيس دونالد ترامب عندما حذّر نتنياهو من خسارة الدعم الأمريكي، على المدى المتوسط، وإعلان نائبه جاي دي فانس، أن سياسة إسرائيل «تخسر معركة الرأي العالم»، في إشارة إلى أن كبار قادتها مطاردون، وملاحقون باتهامات جرائم الحرب، وانتهاك القانون الدولي.
إيتمار بن غفير، وزير الأمن المتطرف، واحد من وجوه الأزمة وإثارة التوتر، وبعد سياساته التصعيدية في القدس والضفة الغربية المحتلتين، عبر إطلاق العنان لغلاة المستوطنين وارتكباب أفظع التجاوزات بقبضة عسكرية وأمنية مشدّدة على الفلسطينيين، ها هو يحرّض، مجدداً، على تهجير سكان قطاع غزة، وإعادة استيطانه، ضارباً عرض الحائط بكل التحذيرات الدولية.
ومثل هذا الخطاب المنفلت لا يمثل بن غفير وحده، بل يعبّر عن نهج إسرائيلي يعتمد الخداع، والمرواغة، والمكر، عبر توزيع الأدوار بين تصريحات يمينية فجّة تُفاقم التوتر، وخطاب آخر يزعم التجاوب مع مبادرات التهدئة. وتستهدف هذه المماطلة المستمرة إبقاء فتيل التصعيد مشتعلاً، باعتباره الضمانة الوحيدة لحشد القواعد المتطرفة، وضمان البقاء في سدة الحكم، حتى لو كان الثمن دفع المنطقة بأسرها نحو الهاوية.
عواقب السياسة الإسرائيلية القائمة على العدوان، والقتل، والتهجير، والتوسع الاستيطاني، واستباحة قواعد القانون الدولي، لن تمر بلا ثمن على إسرائيل ذاتها، إذ بدأت ارتدادات هذا النهج تتبلور في عمق كيانها، السياسي والمجتمعي. فالاستنزاف العسكري المستمر على جبهات متعدّدة، لنحو ثلاث سنوات، لم يفضِ إلا إلى إلى ضياع فرص السلام.
ومع التوجه لصناديق الاقتراع، أواخر الشهر المقبل، يتضح أن محاولة حكومة نتنياهو وتيار بن غفير المتطرف تدوير الأزمات والمراوغة لكسب الوقت، لم تعُد قادرة على حجب الحقيقة القائلة بأن الاستمرار في هذا المسار الانتحاري يضع إسرائيل أمام مأزق وجودي، لا يمكن للخطاب المتشدّد أن يجد له مخرجاً. ومهما وظّف ذلك الخطاب من أدوات وذرائع، فلن يحجب حقيقة أن المماطلة قد استنفدت أوراقها، وأن الغطرسة باتت تأكل من رصيد إسرائيل، وتعمّق عزلتها، الإقليمية والدولية.
