لم يعد نجاحُ روسيا في تحصيل قدْرٍ ملحوظ من المكاسب في الحرب الدّائرة بينها وأوكرانيا موضعَ جَدل، ولا عاد نجاحُها في الصّمود أمام اصطفاف القوى الأطلسيّة ضدّها مثارَ نقاش، وهذا ما بات يعترف لها به أعداؤها وخصومُها الذين جهّزوا لها فِخاخ الحرب وعوّلوا على استدراجها إلى الوقوع في مصائدهم، قبل أن تصطدم حساباتُهم بجدار صمودها.
مع ذلك، إذا كانتِ الحرب لم تنته إلى ما قَدَّر لها الأوكران والغربيّون أن «تنتهيَ» إليه من جزيلِ العوائد عليهم، فهي ما «انتهت» - قطعاً - إلى ما تطلّعت روسيا بوتين إلى قطف ثماره منها على نحوٍ كاملٍ وناجز، بل لعلّ روسيا تكون قد شعرت، في لحظةٍ مّا، بأنّها استُدرِجت إلى حربٍ استسهلت أمْرَها في مبتدأ أمرِها. وعليه، في الوُسع أن نستنتج بأنّ حرب أوكرانيا أتت شديدةَ الكلفة على المنخرطين فيها جميعاً، المباشرين منهم وغيرِ المباشرين، وأنّ هؤلاء وجدوا أنفسَهم، شاؤوا أو أبوا، متورِّطين فيها، وإنْ بدرجات مختلفة. هكذا يسعنا أن نحدّد سمات التّورّط ومقداره لدى القوى الأربع الشّريكة فيها: روسيا، أوكرانيا، أوروبا، أمريكا.
وَقَع النّظام الأوكرانيّ ضحيّة ابتزاز إدارة جو بايدن وسياسات دول الاتّحاد الأوروبيّ فامتثل لإرادة حَمْلِ أوكرانيا، من الدّول الأطلسيّة، على استفزاز روسيا فاستثار هواجسها الأمنيّة من طلب كييف الانضمام إلى «منظّمة حلف شمال الأطلسيّ». ولعلّ نظام زيلينسكي وقَع ضحيّة ثقته العمياء بأمريكا وأوروبا ووعودهما بالدّعم السّخيّ له في مواجهة التّهديدات الرّوسيّة (وقد ظنَّ أنّها كلاميّة!). ثمّ كان عليه أن يواجه وحده الاجتياح الرّوسيّ على أرضه الأوكرانيّة من دون أن يكون في وُسْع الإسناد العسكريّ الأطلسيّ أن يردّ إليه شبراً واحداً ممّا سيطرت عليه القوّات الرّوسيّة في إقليم دونباس.
على مثال نظام كييف، تجد أوروبا نفسَها، ومعها حلف الأطلسيّ، في حالٍ من العجز عن تحقيق الهدف الذي من أجله دفعت بأوكرانيا، بمساعدة من بايدن، إلى الصّدام مع روسيا: أعني استنزاف قوى روسيا وحمْلُها، بالحرب وبمسلسل العقوبات الاقتصاديّة، على الاستسلام لإرادة الأطلسيّ والقبول بشروطه.
غير أنّ صمود روسيا في وجه الاستنزاف العسكريّ الأطلسيّ وسياسات الحصار الاقتصاديّ الغربي سدّد ضربةً لاستراتيجيّة الضّغط الأوروبيّة، بل نقَل ذيول الأزمة من روسيا إلى الدّاخل الأوروبيّ نفسِه المزدحم، اليوم، بآثار تلك الحرب على أوضاعه الاقتصاديّة والاجتماعيّة (ارتفاع أسعار المحروقات وموادّ الاستهلاك مثلاً)، غير أنّ ما زاد أوضاع السّياسات الأوروبيّة تجاه روسيا استفحالاً هو رفْعُ أمريكا يد الدّعم عن تلك السّياسات، خاصّةً في الجانب المتعلّق منها بالمساعدات العسكريّة لأوكرانيا والمتعلّق بالضّغوط السّياسيّة عليها لوقف تشجيعها حليفَها الأوكرانيّ على التّمادي في التّمسُّك بمطالبَ لا يَقْوى هو وحلفاؤه الأوروبيّون على تحقيقها.
أمّا ورطة أمريكا، فتفاقمت أكثر من ذي قبل حين عجز رئيسها الحالي، عجزاً صارخاً، عن تحقيق أيّ إنجازٍ سياسيّ في مضمار إنهاء الحرب الرّوسيّة - الأوكرانيّة وإنتاجِ تسويةٍ سياسيّة لها كان يَعِدُ جمهورَه الانتخابيّ بتحقيقها «في نصف ساعة». ويكفي الإهمالُ السّياسيّ الفاضح لأزمة أوكرانيا، في يوميّات إدارة ترامب، منذ عامٍ ليُطلعنا على الوجْه القصيّ للمأزق الذي قاد إليه التّورّط الأمريكيّ في الأزمة تلك!
ومع أنّ روسيا نجحت في مقابَلةِ الاستفزازات الأوكرانيّة بالسّيطرة على خُمُس الأراضي التي كانت خاضعة لكييڤ (في جزيرة القِرم وجمهوريّتيْ لوغانسك ودونييتسك ومناطق خيرسون وزابوروجيا وخاركيڤ...)، وتعزيز وجودِها وحلفائِها الأوكران الرّوس فيها، إلا أنّها ما استطاعت أن تحسم الحرب، حسماً نهائيّاً، حتّى الآن، ولا أن تفرض استسلاماً سياسيّاً على نظام كييڤ أو أن تفرض عليه، على الأقلّ، تسويةً سياسيّة تترجم بها مكاسبَها الميدانيّة في الحرب، ولا هي استطاعت، حتّى، أن تتفادى عمليّات الإيذاء العسكريّ النّاجحة التي يخوضها ضدّ الوجود العسكريّ الرّوسيّ في إقليم دونباس، بل حتّى في الدّاخل الرّوسيّ نفسه.
إنّها الحرب التي تورّط فيها أطرافُها جميعاً وما استطاع أحدٌ منهم، حتّى الآن، أن يخرج من أدغالها العسكريّة والسّياسيّة بنتيجةٍ تبرِّر له كلّ ما تَلَقّاهُ فيها من جسيمِ الخسائر.
