هل أدرك الإعلاميون العرب، وهم يدخلون ربع القرن الثاني من عمر جائزة الإعلام العربي، القضية الوجودية التي، على الأرجح، لم يتطرقوا إليها طوال خمس وعشرين سنة؟ إنها قضية غياب الإعلام العلمي في بلاد العُرْب أوطاني. إنها قضية العصر. المفارقة هي حضور التكنولوجيا، والحديث عنها وعن آثارها، بإسهاب، في حين أن الرياضيات والفيزياء باتتا كالغول والعنقاء.
ليس المهمّ معرفة تشغيل منتجات التكنولوجيا. الأطفال اليوم منذ نعومة لوحات مفاتيحهم، هم فرسان جوّال ولوح نقّال، كأن ابن كلثوم قال: «إذا بلغ الفطام لنا رضيعٌ... تخرّ له الهواتف شابكينا». ولو عقد الأميون العزم، وثابروا وصابروا، لحقّقت البرمجيات والذكاء الاصطناعي أحلامهم. القدرة على التعامل مع الأجهزة ليست غاية. الفوارق، حاضراً ومستقبلاً، تكمن في المعرفة العملية لأسرار صناعتها، وصنعها والارتقاء إلى تجاوزها بتحقيق ما يفضلها. لا يأتي ذلك إلا بمراحل تبدأ بتطوير مناهج التربية والتعليم، تم بإنشاء مراكز البحث العلمي، وانتهاءً بإنتاج العلوم، لكن منصة الانطلاق الموازية منذ البداية، هي الأدوار الريادية التي يلعبها الإعلام العلمي في كل مراحل المسيرة.
من الضروريات الأولويات أن يضع الإعلاميون العرب القضايا الوجودية التالية نصب أعينهم، في كل مناسبة، ولا مناسبة أروع من قمة الإعلام العربي في دبي: هل يعقل ألاّ تبزغ في سماء الأرض العربية، ولا حتى مجلة علمية واحدة ذات مستوىً رفيع؟ الصين يصدر فيها أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة مجلة علمية في كل ما يتصوره الذهن وما يخفى؟ هل ينبغي لأربعمئة مليون عربي ألا تنتج قنواتهم التلفزيونية، وهي بالمئات، برامج من عرق إبداعهم، فحتى المدبلج والمترجم نادر وعرضي؟
هل يمكن أن يغض الإعلاميون، مظهرُ الوعي والتوعية، النظر عن قضية القضايا، وهي المسافات الشاسعة التي تفصل العالم العربي عن الدول المتقدمة زراعياً وصناعياً، إنتاجياً وإنتاجاً للعلوم والتكنولوجيا، بفضل الرياضيات والفيزياء بالدرجة الأولى؟ يذكّر القلم بأن اليابان، قبل عقود، أحدثت ضجّةً وأثارت جدلاً مدوّياً، بحركة ثورية، تمثلت في اقتطاع نسبة من حصة الفرع الأدبي، أضافتها إلى العلمي، لكون البلد في حاجة إلى تدارك تراجعه قليلاً في الريادة الاقتصادية عالمياً.
لزوم ما يلزم: النتيجة التوعويّة: من العجيب ألا يحمل الإعلاميون هذه الأمانة العاجلة المستعجلة.
