تجاوز الاهتمام بفوز حزب اليمين المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية شرقي البلاد حدود الساحة الألمانية إلى الساحة الأوروبية الأوسع وحتى عبر الأطلسي بترحيب أركان الإدارة الأمريكية به. ربما يمكن فهم «ابتهاج» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأعوانه بفوز حزب شعبوي أوروبي ولو بانتخابات محلية لأنه يتسق مع رؤيتهم ونهجهم الشعبوي في الولايات المتحدة. لكن الزلزال الحقيقي لتلك النتيجة الانتخابية الألمانية هو في الاتحاد الأوروبي.
أما سبب القلق الأوروبي الواسع فهو أن الحزب الذي شعاره الأساسي، مثل بقية أحزاب اليمين المتطرف، هو العداء للهجرة والمهاجرين، فاز في ولاية ألمانية ليست بها مشكلة مهاجرين. فولاية ساكسونيا أنهالت شبه خالية من الهجرة ولا يقصدها مهاجرون، إنما هي ولاية فقيرة وتعاني مشكلات اقتصادية وخدمية في الأساس.
حتى التصويت من قبل أنصار الحزب نفسه لم يكن على أساس وقف الهجرة، لأنها غير موجودة ولا متوقعة. أما فوزه الواضح فيعود إلى اجتذابه ناخبين كانوا غالباً يعزفون عن التصويت، وأن شعاراته بدت مقبولة للمواطنين، وأنه قادر على مواجهة مشكلات تكاليف المعيشة والخدمات العامة.
حتى وإن كانت تجربة أحزاب اليمين المتطرف ورافعي الشعارات الشعبوية بشكل عام في بلدان أخرى لم تثبت أن تلك الشعارات الانتخابية تتحقق. كما أن أحزاب اليمين المتطرف لا تطرح في الواقع سياسات عملية قابلة للتطبيق لتحقق الشعارات التي ترفعها.
لماذا إذاً صعود شعبية أحزاب اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، خاصة في الديمقراطيات الغربية الراسخة؟ رغم أنه ليست هناك إجابة بسيطة عن السؤال، إلا أن نتائج الانتخابات الإقليمية في ألمانيا تعزز بعض الاستنتاجات المنطقية.
جاء التصويت لحزب البديل في أغلبه احتجاجياً على نهج الحكومة وعدم قدرتها على التعامل مع التحديات التي تواجهها ألمانيا. وهكذا أغلب التصويت لليمين المتطرف في بلدان أخرى كان احتجاجياً على الطبقة السياسية التقليدية. فهناك فقدان ثقة واضح في النخب السياسيــــة من يمين ويسار ووســـــط وحكوماتها المنتخبة. بل إن تدهور الثقة بات في «النظام الديمقراطي» ذاته، وهو ما يجعل الناس تصوت لتيارات شعبوية ويمين متطرف يعلن أنه «ضد المؤسسة».
هنـاك أيضـــــاً التصويت الاضطراري من قبل شرائح ناخبين سئموا من تجريب الأحزاب التقليدية فيغامرون بالتصويت لتيار جديد تماماً لم يجرب في السلطة عله يحقق لهم شيئاً فشل السابقون في تحقيقه. ويلعب اليمين المتطرف على زيادة نصيبه من هؤلاء برفع شعارات تمزج بين سياسات يمينية ويسارية في خلطة شعبوية غير منطقية.
بالطبع هناك كتلة وإن كانت صغيرة من الجماهير التي أصبحت تميل إلى التطرف وهي النواة الصلبة لليمين المتطرف. تلك التي تتميز بنوع من «الاستسهال» وترفض بشدة كل ما هو «معقد» من سياسات وقواعد وأصول. وفي الأغلب تميل إلى تفسيرات «نظرية المؤامرة» التي تحل كل شيء بشكل مباشر وإن كان استناداً إلى كذب وتضليل.
المشكلة أن هذا التوجه «الاستسهالي» صار يشيع بين الناس التي سئمت من القواعد والأصول. وتلعب تطورات وسائل التواصل دوراً مهماً في شيوع ذلك التوجه، ما يوفر تلك الشعبية لتيارات اليمين المتطرف. ولا تحتاج تلك الأحزاب الشعبوية إلى هياكل تنظيمية تقليدية وتوسع في العضوية، إنما هي «تقتنص» الأصوات في الانتخابات من دون ولاءات حزبية قد تفرض عليها الالتزام ببرامج محددة وسياسات تحقق الوعود الفارغة التي طرحتها.
لذلك، تخشى أوروبا التقليدية من صعود اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية بقوة وبسرعة. فالأوضاع الاقتصادية والمعيشية في أغلب الدول الأوروبية تشهد تردياً يزيد من نقمة الناس على حكوماتها. وتتدهور ثقة الجماهير العادية في «مؤسسة» الحكم بشكل متسارع. وبالتالي فإن احتمالات تحول الجماهير نحو التصويت لليمين المتطرف في ازدياد.
وما زالت أوروبا تذكر أنه في النصف الأول من القرن الماضي انتخبت الجماهير في إيطاليا وألمانيا حزبين على أساس شعارات «تقدمية» لينتهي بها الأمر تحت حكم فاشية ونازية تتميز بالعنصرية والشوفينية. وليس هناك ما يضمن ألا ينتهي صعود اليمين المتطرف الحالي بما هو أسوأ لأوروبا والعالم.
