هل يمكن تخيل مسرح بلا جمهور؟ الإجابة ببساطة، هي نعم، رغم أن ذلك يسلب المسرح أحد أهم عناصره الجوهرية، وهو قدرة هذا الفن على بث ما يعرف بـ«الكيمياء اللحظية» بين الممثل والمشاهد، هذه الكيمياء التي تعتبر طاقة حية متبادلة بين الطرفين (أي المسرح والجمهور) وهي القادرة على بث حالات إنسانية من الضحك والصمت والبكاء والأنفاس المحبوسة.
وهناك عنصر لا يقل أهمية في تأثير «أبو الفنون» وهو أنه في الأصل فعل اجتماعي يحرص على جمع الناس لكي يحفزهم على المشاركة في تجربة شعورية وفكرية موحدة في ذات المكان والزمان، لذا، فإن المسرح بلا جمهور يظل عبارة عن حالة فكرية وفلسفية وتجريبية، سبق أن اختبرها المسرح العالمي، ولعل أشهر مسرحية لصموئيل بيكيت «في انتظار غودو» قد سبق أن قدمتها بعض الفرق في فضاءات مهجورة، داخل مسارح مغلقة وبلا جمهور، كان الفراغ التام للمكان يتماشى مع فكرة «العبث والانتظار واللاجدوى» التي يناقشها النص.
إن المسرح بلا جمهور يتحول إلى مجرد عرض صامت أشبه باللوحة التشكيلية، كما نظر لذلك البرازيلي أوغستو بوال مؤسس مسرح المقهورين، والفرنسي أنطونين آرتو، حيث أكدا أن المسرح فعل تفاعلي حي، وإذا فقد هذا التفاعل الحي مع المتلقي تجمدت الحركة البصرية لتصبح مجرد عرض صامت يشبه «اللوحة التشكيلية» الثابتة على الخشبة.
المسرح بلا جمهور قد يوجد كحالة تجريبية أو فلسفية، لكنه يظل حالة استثنائية، وليست هي الأصل، وحدث ذلك –على سبيل المثال- أيام جائحة كورونا، حيث قامت الكثير من الفرق العالمية، بسبب حالات الإغلاق العام التي سادت العالم، بتقديم تجارب مسرحية افتراضية ورقمية، على مسارح فارغة تماماً، وقد نقلت هذه التجارب عبر الكاميرات إلى الشاشات، وتحول الجمهور من كتل بشرية حية تفاعلية إلى طاقة رقمية غائبة عن المكان الفيزيائي الحي، حدث ذلك في عروض برودواي وأوبرا المتروبوليتان في نيويورك.
واليوم، فقد سمحت التكنولوجيا للمسرح بالوصول إلى ملايين الأشخاص في منازلهم حول العالم في نفس اللحظة، لكن ذلك ما زال يطرح سؤالاً كبيراً حول وهج المسرح، واحتمال فقدانه سحر اللحظة الحية، وغياب التفاعل الحي والمباشر مع الجمهور، وهو الذي يميز المسرح عن السينما والتلفزيون، فالجمهور هو عصب المسرح، الذي يحوله إلى تجربة اجتماعية تشاركية تنهض بالفكر وتسهم في التقدم الحضاري، ووجود الجمهور كفيل ببقائه حياً في الذاكرة الجمعية خشية أن يتحول هذا الفن العظيم إلى تجربة فردية معزولة خلف الشاشات.
