هناك وهم سياسي طال عمره أكثر مما ينبغي، ومؤدّاه أن الابتعاد عن المواجهة يكفي لحماية الخليج من نيرانها. ولكنّ التطورات الأخيرة تقول شيئاً آخر. فالنيران تشتعل في باب المندب، والبحر الأحمر لم يعُد بعيداً عن حسابات أمن الخليج. وهنا، يصبح السؤال مشروعاً: هل تكفي التهدئة وحدها لصناعة الأمن؟
لا يعني ذلك أنّ الحوار فشل، وأنّ الوساطة فقدت قيمتها، وإنما يعني أنّ الدبلوماسية تحتاج إلى قوة تحميها. وهنا تبرز التجربة الإماراتية في التعامل مع إيران، فقد أبقت أبوظبي باب الحوار مفتوحاً، ولكنها لم تفترض، في الوقت نفسه، أنّ الانفتاح الاقتصادي والسياسي يمنحها حصانة من التهديد. فالمعادلة الإماراتية، كما لخّصها الدكتور أنور قرقاش، المستشار السياسي لرئيس الدولة، تقوم على ركيزتي «الردع والدبلوماسية»، تعزز كل منهما الأخرى. فالردع من دون دبلوماسية قد يقود إلى مواجهة مفتوحة، والدبلوماسية من دون ردع قد تتحول إلى انتظار مفتوح، بينما الجمع بينهما يمنح الدولة مساحة أوسع للتحرك: تضغط عندما يتطلب الأمر، وتحاور عندما يكون الحوار أكثر فائدة.
ومن هنا، اكتسب لقاء نيودلهي بين سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة بريكس، أهميته، حيث تم في لحظة شديدة الحساسية، وبعد أشهر من التصعيد، وفي ظل قرار إماراتي بتعليق التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران. ومن أهم دلالات هذا اللقاء أنّ الإمارات تستطيع أن تضغط من دون أن تقطع. فالقرار الاقتصادي يمثل رسالة واضحة إلى طهران بأن العلاقات الطبيعية ليست أمراً مسلّماً به، وأن استمرارها مرتبط بالسلوك الإيراني الذي يحترم أمن الإمارات، واستقرار المنطقة، بينما يكشف اللقاء رسالة موازية أن باب الحل لم يُغلق، وأن الإجراءات الضاغطة لا تعني التخلي عن الدبلوماسية. وهذه ليست ازدواجية في السياسة، وإنما سياسة واحدة بأداتين.
الدلالة الثانية أن الإمارات لا تنظر إلى الحوار باعتباره مكافأة لإيران، بل أداة لإدارة الخلاف ودافع لتغيير السلوك. ولذلك، لا يمكن قراءة لقاء نيودلهي باعتباره عودة إلى العلاقات الطبيعية، أو تراجعاً عن الإجراءات الإماراتية، فالموقف الإماراتي أبقى الباب السياسي مفتوحاً، لكنه لم يفتح الباب الاقتصادي من جديد.
والواقع أنّ الاختبار الحقيقي للقاء لا يكمن في التصريحات التي قيلت، خلاله أو بعده، والمتعلقة بخفض التوتر وتعزيز الاستقرار، والسلام، والتنمية، وتجاوز الماضي، والنظر إلى المستقبل وبناء مستقبل مشترك، وإنما في ما سيأتي بعدها. فهذه التصريحات إيجابية سياسياً، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل في العلاقة. فالانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الثقة يحتاج إلى سلوك مختلف: تراجع مصادر التوتر، واحترام السيادة، وتهدئة البيئة الإقليمية، وتحويل أمن الخليج والملاحة إلى جزء من تفاهمات أكثر استقراراً.
ولكن الدلالة الأهم تكمن في أن اللقاء لم يحدث من موقع تراجع إماراتي، بل بعد إجراءات ضغط، وموقف أمني واضح. ومن ثم يمكن فهمه باعتباره دبلوماسية من موقع القوة، فالإمارات لا تتحدث إلى إيران لأنها تخلت عن أدوات الردع، وإنما لأنها تدرك أن الردع وحده لا يصنع استقراراً دائماً. وهنا تسقط ثنائية «إما الحوار وإما الردع».
فالاثنان يعملان معاً. الردع يجعل الحوار أكثر جدية، والحوار يمنح الردع هدفاً سياسياً. وفي منطقة مثل الخليج، حيث لا يمكن تجاهل إيران جغرافياً، ولا يمكن تجاهل مخاطر التصعيد معها، تبدو هذه المعادلة أكثر واقعية من الرهان على أحد المسارين منفرداً.
من هنا يمكن فهم لقاء نيودلهي على حقيقته: ليس مصالحة مكتملة، ولا عودة إلى ما قبل الأزمة، وإنما اختبار متبادل. الإمارات تختبر استعداد إيران لتحويل خطاب التهدئة إلى سلوك، وإيران تختبر حدود استعداد الإمارات لإعادة بناء العلاقات، إذا تغيرت الظروف.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن تتحاور دول الخليج مع إيران، وإنما في أن تتحاور معها من دون أن تملك القدرة على حماية مصالحها. فالتهدئة من دون قوة قد تصبح استرضاء، والردع من دون دبلوماسية قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة. وهذا ما تؤكده الخبرة الإماراتية: ردع يمنع التهديد من أن يصبح أمراً واقعاً، ودبلوماسية تمنع الردع من أن يتحول إلى حرب. ولهذا، فإن قيمة لقاء نيودلهي لا تكمن في أنه أنهى الخلاف، بل في أنه أبقى الباب مفتوحاً من دون أن تعيد الإمارات مفاتيح الباب إلى طهران. وهذه هي النقطة الفاصلة.
وفي الخليج الذي اختبر، خلال السنوات الأخيرة، كلفة التردّد وكلفة التصعيد معاً، ربما تكون الرسالة الأكثر واقعية هي أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، والردع يحتاج إلى دبلوماسية تمنحه فرصة كي لا ينهار.
