وخلق الوفاء الذي تجسد في سلوك رسولنا الكريم يأتي في مقدمة القيم الإسلامية الرفيعة التي تحتاج إليها الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين لمواجهة صور الغدر والخيانة والأنانية التي تسربت إلى نفوسهم وأفسدت علاقاتهم.
فما هو الوفاء؟ وما أهميته في منظومة الأخلاق الإسلامية التي تبناها القرآن وتجسدت في سلوك الرسول وأقواله؟ وكيف كان وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول د. محيي الدين عفيفي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: الوفاء خلق إسلامي عظيم تجسد في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مثالاً نادراً في الوفاء مع الناس، كما حارب صلى الله عليه وسلم كل صور الغدر والخيانة، ومن أقواله الشريفة هنا: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه».
ويضيف: ينبغي أن يكون المسلم وفياً مع خالقه أولاً، فيؤدي ما عليه من واجبات وتكاليف دينية، وأن يفي بما تعهد به للخالق من نذر، فمن صفات المسلمين الصادقين أنهم كما قال القرآن الكريم: «يوفون بالنذر» والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه» فالوفاء بالنذر يكون في الطاعة وما يقرب الإنسان إلى خالقه، ولا يكون أبداً في المعاصي والإضرار بالناس.
ارتباط لا ينفصم
وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خلقي «الصدق والوفاء»، وعلمنا أن كلاً منهما ملازم للآخر ولا ينفك عنه، فالإنسان الصادق وفيّ بطبعه والكذاب خائن وغادر وجاحد لفضل الله وفضل الناس، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلى عن خلق الوفاء تحت أي ظرف، وكان لابد من أن يفي بعهده للجميع من مسلمين وغيرهم، فقد كان مضرب المثل في الوفاء بالعهود حتى مع الأعداء.
روي أن حذيفة بن اليمان ورجلاً يسمى «أبو حسيل» طلبا من الرسول أن يشتركا في غزوة بدر، وكانا قد سبق وعاهدا الكفار ألا يشتركا في القتال إلى جانب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان من الرسول إلا أن رفض طلبهما، وطالبهما بالوفاء بما وعدا به الكفار وقال: «نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم».
وقد علق أحد علماء الأخلاق «الحوفي» على هذا الموقف قائلاً: «إن هذا العمل العظيم الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس وفاء فحسب، بل هو أسمى ما يصبو إليه الوفاء، وذلك لأن الوفاء بالعهد في وقت السلم فضيلة، فإذا كانت حرب متصلة مع عدو ضاري العداوة، متصل المكيدة، متلاحق الغدر، فإنه أفضل الفضيلة».
والقارئ للسيرة النبوية كما يقول د. فيصل عون في دراسته عن خلق الوفاء يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وفياً بالعهد مع الأعداء، فقد عاهد بني ضمرة في أول غزوة له (غزوة ودان) ووفى بما عاهد عليه، كما التزم عليه الصلاة والسلام بعهده مع «بني مدلج»، وكان ذلك في (غزوة العشيرة)، والتزم مع أعدائه بكل البنود التي نص عليها (صلح الحديبية)، مع أن شروط هذه المعاهدة كانت شروطاً قاسية، حيث أعطت حقوقاً للمشركين أكبر بكثير مما أعطت للمسلمين.
لقد أوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول د. عون بكل ما وعد به، فكان مثالاً نادراً في الوفاء واستحق وصف أسيد بن أبي إياس الدؤلي بأنه عليه الصلاة والسلام «أبر وأوفى ذمة».
«وأوفوا بالعهد»
ونظراً لأهمية «الوفاء» في منظومة الأخلاق الإسلامية فقد اهتم به القرآن اهتماماً كبيراً لما له من أثر عميق ودور كبير في حياة الناس، أفراداً وجماعات، أمماً وشعوباً، حيث جاء استعمال هذا المفهوم في آياته على وجوه متعددة، فهناك وفاء بعهد الله، وهناك وفاء بالعهد على نحو مطلق، وهناك وفاء بالعقود، أو وفاء بالكيل والميزان، أو وفاء بالنذر، كما جاء مفهوم الوفاء في آيات قرآنية كثيرة في مقابل نقض المواثيق والعهود، وهذا يدلنا على اتساع مساحة الوفاء في منظومتنا الإسلامية، فالأمر لا يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب، وإنما الأمر يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها.
ومن نصوص القرآن الكريم التي أمرت بالوفاء قول الحق سبحانه: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً»، ومن النصوص القرآنية التي حببت بهذا الخلق وجعلته صفة للمسلمين الصادقين قول الله تعالى: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً»، كما نص القرآن الكريم في مواضع كثيرة على ضرورة التزام الإنسان بالصدق مع الله ومع نفسه، والوفاء بما عاهد به، ومن هذه النصوص قوله سبحانه: «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا».. كما أمر القرآن بالوفاء بالكيل والميزان وهو صورة مهمة من صور الوفاء فقال الله سبحانه: «وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها»، وكذلك جعل الله سبحانه الوفاء بالعهد من صور البر والتقوى، فقال: «... والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون».
وهكذا يرشدنا القرآن الكريم إلى أن خلق الوفاء يرتبط بأخلاق أخرى لا تنفصل مثل الصدق والتقوى، كما يجعل الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمراً واجباً وليس مجرد خلق يحرص عليه المسلم أو لا يحرص وفق مزاجه وهواه، كما أن القرآن في حديثه الطويل عن خلق الوفاء وما يرتبط به من أخلاق لا يفرق بين المسلمين وغير المسلمين، فالأخلاق الإسلامية لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية.
أنواع الوفاء
وقد قسم بعض العلماء «الوفاء» إلى أنواع:
الوفاء مع الله: فعلى المسلم أن يكون وفياً بعهده مع الله في أن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً، وأن يبتعد عن طريق الشيطان الذي يدفعه إلى ارتكاب المعاصي.
الوفاء بالعقود: فالإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم».
الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه لأن الله تعالى قال: «أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم».
الوفاء بالنذر: فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه وتعالى: «يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً».
الوفاء بالوعد: فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه.. والرسول يحذر من عدم الوفاء بالوعد ويعتبر ذلك من أخلاق المنافقين فيقول: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
فضيلة إسلامية
ولأن الوفاء فضيلة إسلامية وخلق نبوي كريم فنحن في أمسّ الحاجة إليه كما يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم فهو من أهم الصفات والخصائص الشخصية التي نربي أبناءنا عليها، فنقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران، ومن وثق عهده بيمين أو باتخاذ الله كفيلاً فهو عهد مع الله، ونقضه إنما هو نقض لعهد ربه، وقد شبه القرآن من ينقض العهد بالحمقاء التي تغزل غزلها ثم تنقضه أوصالاً وأجزاءً فقال سبحانه: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً»، وواجبنا أن نرسخ في نفوس أبنائنا قول الله تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها...».
على دعاتنا وخطباء مساجدنا أن يقولوا للناس ولا يملوا من التكرار إن نقض العهد ليس من سمات المسلمين، وإنه خلق سيئ يشوه صورة الشخصية الإسلامية، وينشر عدم الثقة بين الناس جميعاً من مسلمين وغير مسلمين، وهو من علامات النفاق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذ خاصم فجر».
على أبنائنا أن يعلموا علم اليقين كما يقول د. هاشم أن الإنسان الوفي هو موطن الثقة بين الناس، يقبلون على معاملته، ولا يرتابون في وعده، وإنما يصدقونه ويحبونه، ويخلصون له الود، وشخصيته بينهم مرموقة، فهو موضع تقديرهم واحترامهم، يبادلونه حباً بحب ووفاء بوفاء، والمسلم الصادق الوفي هو الذي يكون عند عهده ووعده.
يجب علينا أن نربي أبناءنا داخل بيوتنا وفي مدارسنا على قيمة الوفاء والاعتراف بالجميل والرد على المعروف بمعروف أكثر منه، وأن ننفرهم من الأنانية وحب الذات وعدم الإحسان إلى من أحسن إليهم، واجبنا أن نغرس فيهم فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق، وأن نذكرهم دائماً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا دين لمن لا عهد له».
إن التربية الأخلاقية على قيمة الوفاء تحمي الإنسان من كل صور الغدر والخيانة وتجعله عزيزاً كريماً محبوباً من كل الناس، لأن الوفاء بالعهد من أهم المبادئ التي تحقق التوازن في شخصية الإنسان ونقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران. إن الوفاء علامة بارزة من علامات الإيمان وقوة الشخصية وخلف الوعد، أو نقض العهد من علامات النفاق، وضعف الشخصية وسوء الخلق.
ما أحوجنا نحن المسلمين الآن إلى استعادة قيمة الوفاء التي اختفت من حياتنا وحل مكانها الغدر والجحود ونكران الجميل ونقض العهود والمواثيق.