مضرب المثل في‮ ‬الوفاء حتى مع الأعداء

01:41 صباحا
قراءة 7 دقائق
تجسدت كل القيم الفاضلة في‮ ‬شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فكان القدوة والمثل لجميع المسلمين،‮ ‬حيث حرص على كل ما هو راق ومتحضر من السلوك،‮ ‬وسما بأخلاقه فوق كل الصغائر،‮ ‬ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني‮ ‬الإنسانية‮.‬

وخلق الوفاء الذي‮ ‬تجسد في‮ ‬سلوك رسولنا الكريم‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬مقدمة القيم الإسلامية الرفيعة التي‮ ‬تحتاج إليها الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين لمواجهة صور الغدر والخيانة والأنانية التي‮ ‬تسربت إلى نفوسهم وأفسدت علاقاتهم‮.‬
فما هو الوفاء؟ وما أهميته في‮ ‬منظومة الأخلاق الإسلامية التي‮ ‬تبناها القرآن وتجسدت في‮ ‬سلوك الرسول وأقواله؟ وكيف كان وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‮ ‬
يقول د‮. ‬محيي‮ ‬الدين عفيفي‮ ‬الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر‮: ‬الوفاء خلق إسلامي‮ ‬عظيم تجسد في‮ ‬سلوك النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فكان مثالاً‮ ‬نادراً‮ ‬في‮ ‬الوفاء مع الناس،‮ ‬كما حارب صلى الله عليه وسلم كل صور الغدر والخيانة،‮ ‬ومن أقواله الشريفة هنا‮: «‬ثلاثة أنا خصمهم‮ ‬يوم القيامة‮: ‬رجل أعطى بي‮ ‬ثم‮ ‬غدر،‮ ‬ورجل باع حراً‮ ‬فأكل ثمنه،‮ ‬ورجل استأجر أجيراً‮ ‬فاستوفى منه ولم‮ ‬يعطه‮».‬

ويضيف‮: ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون المسلم وفياً‮ ‬مع خالقه أولاً، فيؤدي‮ ‬ما عليه من واجبات وتكاليف دينية،‮ ‬وأن‮ ‬يفي‮ ‬بما تعهد به للخالق من نذر،‮ ‬فمن صفات المسلمين الصادقين أنهم كما قال القرآن الكريم‮: «‬يوفون بالنذر‮» ‬والرسول صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: «‬من نذر أن‮ ‬يطيع الله فليطعه،‮ ‬ومن نذر أن‮ ‬يعصه فلا‮ ‬يعصه‮» ‬فالوفاء بالنذر‮ ‬يكون في‮ ‬الطاعة وما‮ ‬يقرب الإنسان إلى خالقه،‮ ‬ولا‮ ‬يكون أبداً‮ ‬في‮ ‬المعاصي‮ ‬والإضرار بالناس‮.‬

ارتباط لا‮ ‬ينفصم

وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خلقي‮ «‬الصدق والوفاء‮»‬،‮ ‬وعلمنا أن كلاً منهما ملازم للآخر ولا‮ ‬ينفك عنه،‮ ‬فالإنسان الصادق وفي‮ّ ‬بطبعه والكذاب خائن وغادر وجاحد لفضل الله وفضل الناس،‮ ‬ولذلك‮ ‬يقول صلى الله عليه وسلم‮: «‬إن الصدق‮ ‬يهدي‮ ‬إلى البر،‮ ‬وإن البر‮ ‬يهدي‮ ‬إلى الجنة،‮ ‬وإن الرجل ليصدق حتى‮ ‬يكتب عند الله صديقاً،‮ ‬وإن الكذب‮ ‬يهدي‮ ‬إلى الفجور،‮ ‬وإن الفجور‮ ‬يهدي‮ ‬إلى النار،‮ ‬وإن الرجل ليكذب حتى‮ ‬يكتب عند الله كذاباً‮».‬

ولم‮ ‬يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يتخلى عن خلق الوفاء تحت أي‮ ‬ظرف،‮ ‬وكان لابد من أن‮ ‬يفي‮ ‬بعهده للجميع من مسلمين وغيرهم،‮ ‬فقد كان مضرب المثل في‮ ‬الوفاء بالعهود حتى مع الأعداء‮.‬

روي‮ ‬أن حذيفة بن اليمان ورجلاً‮ ‬يسمى‮ «‬أبو حسيل‮» ‬طلبا‮ ‬من الرسول أن‮ ‬يشتركا في‮ ‬غزوة بدر،‮ ‬وكانا قد سبق وعاهدا الكفار ألا‮ ‬يشتركا في‮ ‬القتال إلى جانب محمد صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فما كان من الرسول إلا أن رفض طلبهما،‮ ‬وطالبهما بالوفاء بما وعدا به الكفار وقال‮: «‬نفي‮ ‬لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم‮».‬

وقد علق أحد علماء الأخلاق‮ «‬الحوفي‮» ‬على هذا الموقف قائلاً‮: «‬إن هذا العمل العظيم الذي‮ ‬فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬ليس وفاء فحسب،‮ ‬بل هو أسمى ما‮ ‬يصبو إليه الوفاء،‮ ‬وذلك لأن الوفاء بالعهد في‮ ‬وقت السلم فضيلة،‮ ‬فإذا كانت حرب متصلة مع عدو ضاري‮ ‬العداوة،‮ ‬متصل المكيدة،‮ ‬متلاحق الغدر،‮ ‬فإنه أفضل الفضيلة‮».‬

والقارئ للسيرة النبوية كما‮ ‬يقول د‮. ‬فيصل عون في‮ ‬دراسته عن خلق الوفاء ‬يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وفياً‮ ‬بالعهد مع الأعداء،‮ ‬فقد عاهد بني‮ ‬ضمرة في‮ ‬أول‮ ‬غزوة له‮ (‬غزوة ودان‮) ‬ووفى بما عاهد عليه،‮ ‬كما التزم عليه الصلاة والسلام بعهده مع‮ «‬بني‮ ‬مدلج‮»‬،‮ ‬وكان ذلك في‮ (‬غزوة العشيرة‮)‬،‮ ‬والتزم مع أعدائه بكل البنود التي‮ ‬نص عليها‮ (‬صلح الحديبية‮)‬،‮ ‬مع أن شروط هذه المعاهدة كانت شروطاً‮ ‬قاسية،‮ ‬حيث أعطت حقوقاً‮ ‬للمشركين أكبر بكثير مما أعطت للمسلمين‮.‬

لقد أوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما‮ ‬يقول د‮. ‬عون بكل ما وعد به،‮ ‬فكان مثالاً‮ ‬نادراً‮ ‬في‮ ‬الوفاء واستحق وصف أسيد بن أبي‮ ‬إياس الدؤلي‮ ‬بأنه عليه الصلاة والسلام‮ «‬أبر وأوفى ذمة‮».‬

‮«‬وأوفوا بالعهد‮»‬

ونظراً‮ ‬لأهمية‮ «‬الوفاء‮» ‬في‮ ‬منظومة الأخلاق الإسلامية فقد اهتم به القرآن اهتماماً‮ ‬كبيراً‮ ‬لما له من أثر عميق ودور كبير في‮ ‬حياة الناس،‮ ‬أفراداً‮ ‬وجماعات،‮ ‬أمماً‮ ‬وشعوباً،‮ ‬حيث جاء استعمال هذا المفهوم في‮ ‬آياته على وجوه متعددة،‮ ‬فهناك وفاء بعهد الله،‮ ‬وهناك وفاء بالعهد على نحو مطلق،‮ ‬وهناك وفاء بالعقود،‮ ‬أو وفاء بالكيل والميزان،‮ ‬أو وفاء بالنذر،‮ ‬كما جاء مفهوم الوفاء في‮ ‬آيات قرآنية كثيرة في‮ ‬مقابل نقض المواثيق والعهود،‮ ‬وهذا‮ ‬يدلنا على اتساع مساحة الوفاء في‮ ‬منظومتنا الإسلامية،‮ ‬فالأمر لا‮ ‬يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب،‮ ‬وإنما الأمر‮ ‬يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها‮.‬

ومن نصوص القرآن الكريم التي‮ ‬أمرت بالوفاء قول الحق سبحانه‮: «‬وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً‮»‬،‮ ‬ومن النصوص القرآنية التي‮ ‬حببت بهذا الخلق وجعلته صفة للمسلمين الصادقين قول الله تعالى‮: «‬من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من‮ ‬ينتظر وما بدلوا تبديلاً‮»‬،‮ ‬كما نص القرآن الكريم في‮ ‬مواضع كثيرة على ضرورة التزام الإنسان بالصدق مع الله ومع نفسه،‮ ‬والوفاء بما عاهد به،‮ ‬ومن هذه النصوص قوله سبحانه‮: «‬وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا‮».. ‬كما أمر القرآن بالوفاء بالكيل والميزان وهو صورة مهمة من صور الوفاء فقال الله سبحانه‮: «‬وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً‮ ‬إلا وسعها‮»‬،‮ ‬وكذلك جعل الله سبحانه الوفاء بالعهد من صور البر والتقوى،‮ ‬فقال‮: «... ‬والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في‮ ‬البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون‮».‬
وهكذا‮ ‬يرشدنا القرآن الكريم إلى أن خلق الوفاء‮ ‬يرتبط بأخلاق أخرى لا تنفصل مثل الصدق والتقوى،‮ ‬كما‮ ‬يجعل الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمراً‮ ‬واجباً‮ ‬وليس مجرد خلق‮ ‬يحرص عليه المسلم أو لا‮ ‬يحرص وفق مزاجه وهواه،‮ ‬كما أن القرآن في‮ ‬حديثه الطويل عن خلق الوفاء وما‮ ‬يرتبط به من أخلاق لا‮ ‬يفرق بين المسلمين وغير المسلمين،‮ ‬فالأخلاق الإسلامية لا تتجزأ ولا‮ ‬يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية‮.‬

أنواع الوفاء

وقد قسم بعض العلماء‮ «‬الوفاء‮» ‬إلى أنواع‮:‬

الوفاء مع الله‮: ‬فعلى المسلم أن‮ ‬يكون وفياً‮ ‬بعهده مع الله في‮ ‬أن‮ ‬يعبده وحده لا‮ ‬يشرك به شيئاً،‮ ‬وأن‮ ‬يبتعد عن طريق الشيطان الذي‮ ‬يدفعه إلى ارتكاب المعاصي‮.‬

الوفاء بالعقود‮: ‬فالإسلام‮ ‬يوصي‮ ‬باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي‮ ‬تم الاتفاق عليها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬المسلمون عند شروطهم‮».‬

الوفاء بالكيل والميزان‮: ‬فالمسلم‮ ‬يفي‮ ‬بالوزن فلا‮ ‬ينقصه لأن الله تعالى قال‮: «‬أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم‮».‬

الوفاء بالنذر‮: ‬فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه،‮ ‬ومن صفات أهل الجنة أنهم‮ ‬يوفون بالنذر،‮ ‬يقول الحق سبحانه وتعالى‮: «‬يوفون بالنذر ويخافون‮ ‬يوماً‮ ‬كان شره مستطيراً‮».‬
الوفاء بالوعد‮: ‬فالمسلم مطالب بأن‮ ‬يفي‮ ‬بوعده ولا‮ ‬يخلفه‮.. ‬والرسول‮ ‬يحذر من عدم الوفاء بالوعد ويعتبر ذلك من أخلاق المنافقين فيقول‮: «‬آية المنافق ثلاث‮: ‬إذا حدث كذب،‮ ‬وإذا وعد أخلف،‮ ‬وإذا اؤتمن خان‮».‬

فضيلة إسلامية

ولأن الوفاء فضيلة إسلامية وخلق نبوي‮ ‬كريم فنحن في‮ ‬أمسّ الحاجة إليه كما‮ ‬يقول العالم الأزهري‮ ‬د‮. ‬أحمد عمر هاشم فهو من أهم الصفات والخصائص الشخصية التي‮ ‬نربي‮ ‬أبناءنا عليها،‮ ‬فنقض العهد‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى الضياع والخسران،‮ ‬ومن وثق عهده بيمين أو باتخاذ الله كفيلاً‮ ‬فهو عهد مع الله،‮ ‬ونقضه إنما هو نقض لعهد ربه،‮ ‬وقد شبه القرآن من‮ ‬ينقض العهد بالحمقاء التي‮ ‬تغزل‮ ‬غزلها ثم تنقضه أوصالاً‮ ‬وأجزاءً فقال سبحانه‮: «‬ولا تكونوا كالتي‮ ‬نقضت‮ ‬غزلها من بعد قوة أنكاثاً‮»‬،‮ ‬وواجبنا أن نرسخ في‮ ‬نفوس أبنائنا قول الله تعالى‮: «‬وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها‮...».‬

على دعاتنا وخطباء مساجدنا أن‮ ‬يقولوا للناس ولا‮ ‬يملوا من التكرار إن نقض العهد ليس من سمات المسلمين،‮ ‬وإنه خلق سيئ‮ ‬يشوه صورة الشخصية الإسلامية،‮ ‬وينشر عدم الثقة بين الناس جميعاً‮ ‬من مسلمين وغير مسلمين،‮ ‬وهو من علامات النفاق،‮ ‬ورسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول في‮ ‬الحديث الصحيح‮: «‬أربع من كن فيه كان منافقاً‮ ‬خالصاً،‮ ‬ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى‮ ‬يدعها‮: ‬إذا اؤتمن خان،‮ ‬وإذا حدث كذب،‮ ‬وإذا عاهد‮ ‬غدر،‮ ‬وإذ خاصم فجر‮».‬
على أبنائنا أن‮ ‬يعلموا علم اليقين كما‮ ‬يقول د‮. ‬هاشم أن الإنسان الوفي‮ ‬هو موطن الثقة بين الناس،‮ ‬يقبلون على معاملته،‮ ‬ولا‮ ‬يرتابون في‮ ‬وعده،‮ ‬وإنما‮ ‬يصدقونه ويحبونه،‮ ‬ويخلصون له الود،‮ ‬وشخصيته بينهم مرموقة،‮ ‬فهو موضع تقديرهم واحترامهم،‮ ‬يبادلونه حباً‮ ‬بحب ووفاء بوفاء،‮ ‬والمسلم الصادق الوفي‮ ‬هو الذي‮ ‬يكون عند عهده ووعده‮.‬
يجب علينا أن نربي‮ ‬أبناءنا داخل بيوتنا وفي‮ ‬مدارسنا على قيمة الوفاء والاعتراف بالجميل والرد على المعروف بمعروف أكثر منه،‮ ‬وأن ننفرهم من الأنانية وحب الذات وعدم الإحسان إلى من أحسن إليهم،‮ ‬واجبنا أن نغرس فيهم فضيلة الوفاء بالعهود والمواثيق،‮ ‬وأن نذكرهم دائماً‮ ‬بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬لا دين لمن لا عهد له‮».‬
إن التربية الأخلاقية على قيمة الوفاء تحمي‮ ‬الإنسان من كل صور الغدر والخيانة وتجعله عزيزاً‮ ‬كريماً‮ ‬محبوباً‮ ‬من كل الناس،‮ ‬لأن الوفاء بالعهد من أهم المبادئ التي‮ ‬تحقق التوازن في‮ ‬شخصية الإنسان ونقض العهد‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى الضياع والخسران‮.‬ إن الوفاء علامة بارزة من علامات الإيمان وقوة الشخصية وخلف الوعد،‮ ‬أو نقض العهد من علامات النفاق،‮ ‬وضعف الشخصية وسوء الخلق‮.‬
ما أحوجنا نحن المسلمين الآن إلى استعادة قيمة الوفاء التي‮ ‬اختفت من حياتنا وحل مكانها الغدر والجحود ونكران الجميل ونقض العهود والمواثيق‮.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"