يعلّمنا القرآن الكريم الصدق مع الله سبحانه وتعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم والصدق مع النفس والصدق مع الآخرين وقد وردت في كتاب الله عشرات الآيات التي تحض على الصدق وتوضح أجر وثواب ومكانة الصادقين وصورتهم الطيبة عند الله وعند الناس . . ووردت آيات كثيرة تحذر من الكذب وتوضح عقوبة الكاذبين الذين لا يتورعون عن الكذب والأيمان الكاذبة لكي يستحلوا حقوق الآخرين .
من بين الآيات المحكمات التي جاءت تتوعد الذين يخونون العهد ويحلفون كذباً بالعذاب الأليم قول الله تعالى في سورة آل عمران: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .
سبب النزول
روى المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: إن الذين يشترون . . روايات أصحها ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان قال عبدالله: ثم قرأ علينا رسول الله مصدقاً من كتاب الله: إن الذين يشترون بعهد الله . . وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تعالى تصديق ذلك إن الذين يشترون بعهد الله قال عبدالله: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبدالرحمن؟ قلنا: كذا وكذا فقال: صدق في نزلت . كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: شاهداك أو يمينه؟ قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالي فقال رسول الله: من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ونزل قول الله عز وجل إن الذين يشترون .
خيانة عهد الله
هذه الآية الكريمة تحذرنا من الأيمان الكاذبة التي تتداول على ألسنة المسلمين طوال اليوم وتؤكد لنا أن كل من حلف بالله كاذباً واشترى بعهد الله ثمناً قليلاً حقت عليه العقوبة التي بينتها الآية الكريمة ويدخل تحت هذه العقوبة أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة تامة وواضحة .
والمراد بقوله يشترون أي يستبدلون، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً، فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر .
والمراد بعهد الله كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله تعالى على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدون نعته في كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم .
والمراد بأيمانهم تلك: الأيمان الكاذبة التي يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال .
والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من مال ومنافع زائلة قد يحصل عليها الإنسان نظير تركه عهود الله وحلفه الكاذب .
وقوله سبحانه: أولئك لا خلاق لهم في الآخرة أي الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا، وهؤلاء لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء .
لاعطف ولارحمة
ومعنى قوله سبحانه ولا يكلمهم الله أي لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويحزنهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة . . أو أن عدم كلام الله تعالى لهم كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه . . أما المبغض لشيء، فإنه ينصرف عنه . وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال: المقصود هنا بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه، فإنما ذلك سخط عليه، وإذا سخط إنسان على آخر قال له: لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول: لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب . . نعوذ بالله منه .
وقوله سبحانه: ولا ينظر إليهم أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم . . ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم: عدم رؤيتهم لأنه سبحانه وتعالى يراهم كما يرى غيرهم من خلقه .
وقوله تعالى: ولا يزكيهم أي أنه سبحانه لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها . . أو أنه سبحانه لا يثني عليهم كما يثني على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم .
ثم ختم سبحانه الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم فقال: ولهم عذاب أليم أي: ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات .
وهكذا نرى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً بأنهم لا حظ لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلاً لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم .
متى يحلف المسلم؟
يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق وأحد كبار علمائه: ما أحوج المسلمين اليوم إلى هداية هذه الآية الكريمة بعد أن انتشرت رذيلة الإيمان الكاذبة في كل بلاد المسلمين وأصبح الكثيرون منهم لا يتورعون عن الحلف بالله كذباً وعلى أمور بسيطة لا تستدعي كذباً ولا حلفاً .
ويضيف: المسلم ينبغي ألا يحلف بالله إلا إذا تيقن أنه صادق كل الصدق وبعد أن يتأكد ويتيقن من الأمر الذي يحلف عليه ولا يلجأ إلى الحلف إلا إذا طلب منه ذلك لتبرئة نفسه ولدفع تهمة عنه . . أما ما نراه الآن بين المسلمين من ترديد أيمان صادقة وكاذبة من دون مبرر فهذا ليس من أخلاق المسلم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ولا تجعلوا الله عٌرضة لأيمانكم .
ويؤكد وكيل الأزهر الأسبق ضرورة تربية أبنائنا على عدم الحلف بالله إلا عند الضرورة وفي المواقف التي تستدعي ذلك لتبرئة ذمة أو دفع تهمة، وأن نعلم هؤلاء الصغار أن الحلف بالله كذباً يجلب لهم غضب الله وعقابه وأن نشرح لهم معنى هذه الآية التي تشتمل على عقوبة رادعة .