عن هوية الشعر وجنس المبدع

لمن نقرأ . . بمن نتأثر؟
13:26 مساء
قراءة 9 دقائق

كثيراً ما تناول الخطاب النقدي العربي بالفحص والتحليل مصطلح الكتابة النسوية، وهو يعني بالأساس السرد وربما الرواية على وجه الدقة، ونادراً ما أشير إلى الشعر كفضاء إبداعي خاص داخل إشارات هذا المصطلح ودلالاته، وهو ما حاولنا الاقتراب منه خلال هذا التحقيق من خلال سؤال توجهنا به إلى الشعراء: لمن تقرأ من الشاعرات النساء وبمن تأثرت؟ والسؤال نفسه طرحناه على الشاعرات . .

الشاعرة الهنوف محمد اعتبرت أن الشعر الجيد هو شعر مؤثر بغض النظر عن كون كاتبه رجلاً أم امرأة، وفي الوقت نفسه اعتبرت أن الرجل كان أكثر حضوراً وتأثيراً في تاريخ الشعر، ليس فقط في تاريخ الشعر العربي، وإنما العالمي أيضاً، وقالت: من الطبيعي أنت تكون قراءاتي للشعراء أكثر من الشاعرات، وذلك بسبب حضورهم الطاغي في تاريخ الشعر، وبالنسبة لي ما يشدني هو الشعر الجيد بغض النظر عما كان كاتبه رجلاً أم امرأة، ولكنني أحب أن ألفت الانتباه إلى أن تجربة المرأة تتأثر بواقعها الخاص كامرأة، وبواقعها الاجتماعي أكثر من الشاعر، فنحن نلمس في تجارب الشاعرات انعكاس المرحلة العمرية التي يعشنها على كتاباتهن الشعرية، كما نلحظ أن التدفق العاطفي في شعرهن عموما أكثر من التدفق العاطفي في أعمال الشعراء، فالمرأة أكثر تأثراً على نحو عاطفي بما تعيشه من الرجل الذي يميل إلى التعاطي مع تجاربه بشكل مختلف، ومنه التعامل الذهني .

وقالت الهنوف: بالطبع إنني أقرأ لتجارب الكثير من الشعراء العرب والإماراتيين، ومن الشعراء العرب أنا مهتمة بتجربة أدونيس على نحو خاص، فهو من الشعراء الذين يقدمون الجديد دائماً في أعمالهم، ويمكن لمتابع تجربته أن يلحظ أن ما من عمل جديد له إلا ويحمل قفزة نوعية عن العمل السابق، وهي قفزة في التجربة واللغة والدلالة، فهو من الذين يشتغلون بشكل أساسي على عملية الكتابة بشكل رئيس، ومن الشعراء الإماراتيين هناك عبد العزيز جاسم الذي طوّر تجربة شعرية ناضجة، وهي تجربة تشدني بمقاييس كثيرة، وتدفعني إلى متابعتها .

الشاعرة والروائية صالحة غابش عبرت بوضوح عن ميلها إلى الشعر الكلاسيكي وتأثرها به، وتحديداً شعر المتنبي، وغازي القصيبي، وقالت: لقد قرأت الكثير من الشعر العربي الحداثي، وفيه أصوات متميزة، وأذكر منها أدونيس، وأنسي الحاج، وحبيب الصايغ، وغيرهم الكثير، ولكن الشعر الذي أعود إليه بين الحين والآخر هو شعر المتنبي، والقصيبي، وبما يخص المتنبي فقد تربيت عليه وأبناء جيلي من خلال المراحل التعليمية المختلفة، وبقيت متعلقة به، وأعتبر أنني متأثرة جداً به، وفي لحظات كثيرة أجدني أعود من دون سبب محدد إلى قصيدة ما بعينها من قصائده .

وتابعت غابش: أما غازي القصيبي فقد شدتني إليه لغته البسيطة، وأسلوبه الشعري، وعلى الرغم من مرور وقت طويل على تعرفي بتجربة القصيبي إلا أنها ما زالت تجربة مهمة بالنسبة لي، وأعود إلى قصائده بين وقت وآخر، وهي قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من ذاكرتي الشعرية . وأضافت غابش: إنني أقرأ للكثير من الشعراء، وأستمتع بأعمال البعض، لكنها لا تتحول إلى مرجع أساسي بالنسبة لي، ولا يمكنني القول إنني أتأثر بها، خاصة وأن معظمها لا يرسخ في الذاكرة طويلاً .

بدوره يعتقد الشاعر أحمد المطروشي أن ثمة كتابات نسوية عربية وعالمية تستفز القارئ والكاتب المثقف حال صدورها لما تنطوي عليه من رصد عميق للتجربة الإنسانية في شقها الفلسفي والمعرفي .

ويشير المطروشي إلى الشاعرة سافو أول شاعرة في التاريخ النسائي وهي الأغريقية التي وصفت بكونها شاعرة الحب والجمال، حيث يؤكد أن مثل هؤلاء الكاتبات وغيرهن سيبقين شعلة متقدة في التاريخ لما بذلنه من جهد وتحول نوعي لصالح البحث عن سر الوجود وهو ما يضاف الى الذاكرة الثقافية والفكرية في العالم بوصفه نتاجا مغايرا يحمل دهشة القراءة والمتعة والمعرفة .

ويهتم المطروشي بالكاتبة الفرنسية الوجودية سيمون دي بوفوار حيث توقف مليا عند روايتها المثقفون التي حازت على جائزة جونكور الفرنسية في عام 1954 التي اعتبرها فريدريك ورمز مدير المركز العالمي للدراسات التابع للفلسفة الفرنسية المعاصرة من أعمق الروايات التي تتحدث عن الوجود الإنساني والقلب النابض لإحدى أكثر المراحل أهمية في القرن الماضي، ويتجلى فيها التحول الجمالي والفلسفي والأخلاقي التي كانت الحرب محوره الغامض .

أما الشاعر خالد الظنحاني فيعود الى ذلك الزمن الجميل الذي تميزت خلاله شاعرات كبيرات مثل الخنساء ومن بعدها يأتي الظنحاني على ذكر كاتبات عربيات معاصرات مثل الشاعرة والإعلامية والناقدة الكويتية سعدية مفرح التي تكتب بوعي انساني عميق .

أما الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي تعتبر من رواد الشعر العربي الحديث فهي محط اهتمام الشاعر خالد الظنحاني الذي يعتقد بضرورة ذكرها في خريطة الشعر العربي ولكونها كاتبة امرأة ومبدعة قدمت الكثير .

الشاعر محمود نور يتعاطف مع كل شعر يستنطق مشاعر الإنسان ويكون صادق الإحساس ويمتح من البساطة واللغة الرفيعة الدافقة بالتصوير والمعاني يجد صدى كبيراً عند محمود نور الذي يضيف أن استمتاعه بالشعر على هذا النحو جعله لا يفرق بين جنس كاتبه، وهو ما وجده عند كثير من الشاعرات المجيدات في التاريخ العربي قديمه وجديده، بمثل ما وجده عند الشاعرة العربية الخنساء التي استحوذت على اعجاب كثير من الشعراء والنقاد في زمنها وإلى الآن .

وبحكم المراحل الدراسية التي قطع محمود نور شوطا في تتبعها وهو ما أتاح له ان يضطلع بالكثير من نماذج الشعر العربي، كانت الخنساء التي يصفها نور بالشاعرة التي تلامس الوجدان، رغم تباعد الزمن، وهي الشاعرة المتمكنة من اللغة، التي تطرقت إلى مواضيع مختلفة في شعرها كما لقبت بشاعرة الصبر والحكمة، وقد كتب عنها النابغة الذبياني يصفها بقوله الخنساء أشعر الجن والإنس .

وبالمثل يبدي محمود نور اعجابه بالشاعرة العراقية المجددة نازك الملائكة التي خرجت من إطار القيود الصارمة لتكتب شعراً بيلغاً من حيث الدلالات والعمق والتصوير، ونازك الملائكة التي تمثل أحد أبرز الوجوه المعاصرة في الشعر العربي الحديث كشفت عن ثقافة عميقة الجذور بالتراث والوطن والإنسان، وكانت تستبطن نصها الشعري وتستنطقه وتعيش حالاته .

وفي سياق اعجاب نور بكل ما هو جميل ومعبر في التجربة الشعرية النسوية، يشير نور إلى تجربة برنامج شاعر المليون الذي يبث من قناة أبوظبي الإماراتية، والذي كشف عبر تاريخه عن مجموعة كبيرة من الشاعرات العربيات التي يمكن الإشارة لعطائهن الإبداعي، على سبيل المثال لا الحصر، الشاعرة روضة الحاج، وبرنامج شاعر المليون من وجهة نظر نور هو برنامج جماهيري يهتم بالشعر الفصيح، ومثل هذا الإعتناء الإعلامي بالشعر يشكل إضافة نوعية لصالح تنمية الذائقة الشعرية ومثل روضة الحاج رأى نور أن هناك مجموعة لا بأس بها من الشاعرات اللواتي كشفت تجربتهن عن عمق ورقة احساس ووعي انساني عميق، لا يتسع المجال لذكرهن وتحليل تجربتهن .

وقال الشاعر محمد البريكي: أتعامل مع الشعر تراثاً وحاضراً، على أساس الموقف من الإبداع، بحيث أجدني تحت تأثير ما هو إبداعي، أياً كان شاعره، وطبيعي أن الشاعرة المتمكنة من أدواتها الشعرية، منذ الخنساء وحتى الآن، ستستحوذ باهتمامي كما اهتمام سواي، لا سيما أن قصيدة الأنثى لها خصوصيتها، من حيث زاوية النظر، ومن حيث تلبيتها لدواعي عاطفة الشاعرة المبدعة .

وفي تصوري الشخصي، أن الشاعر غير قادر، وهو يقرأ غيره، ويحقق معادلته الإبداعية الخاصة، على أن يحدد: بمن تأثر؟، لا سيما وأن التراث الإبداعي هائل، وإن كل شاعر لاحق قرأ لمن سبقه، بل ولمن واكبه جيلياً يتأثر بهذا الشكل، أو ذاك بكل هؤلاء، وسيكون للشاعرة نصيبها من التأثير على الشاعراللاحق، كما أن للشاعر تأثيره على سواه، فالإبداع شبكة غريبة يتواشج فيها مقروء الشاعر، خلال شتى مراحله، في عالم قصيدته التي ستصنف إبداعياً، وفق ما يضيفه هو على السابقين عليه . وأضاف: من هنا، إن السابقين علي، هم سلالات هائلة من الشعراء والشاعرات القدامى والمعاصرين، وأنا أتعامل مع عطائهم الإبداعي وفق هذه القاعدة، بلا أي تمييز، لأن ليس هناك إبداع مذكر أو مؤنث، فالإبداع واحد، إلا أن للشاعرة همها الذي لايمكن التعبير عنه، إلا من خلال قلمها ومدادها، كما أن للشاعر همومه التي يستطيع وحده التعبير عنها، مع أني ممن يؤمنون بأن العامل الثقافي له دوره الكبير في محو مثل هذه الحدود .

إذاً، أنا كشاعر أتأثر بكل المبدعين الأصلاء في تاريخ الشعر العربي، وأعتز بهذا التأثير، وإن كنت أتوق إلى تسجيل خصوصيتي وهذا حق شرعي لي طبعاً .

وقالت شيخة المطيري: كان الشعر يحيط بي منذ أول هالة تكونت حولي، منذ أن أدركت أنني مستعدة للحياة، فتحت أول ذاكرتي الشعرية على دواوين الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة، حفظت معظم قصائده الفصحى في المرحلة الابتدائية التأسيسية، التي مازلت أحتفظ بها في خبايا روحي فهناك تعلمت الشعر . ثم التقيت بدواوين الشاعر الدكتور شهاب غانم وقرأت كل ما طبع له في ذلك الوقت، وقد كنت أكتب بعض أبياته وأعلقها على جدار غرفتي، ورافقتني في الأيام التي تلت قصائد الشاعر سلطان بن خليفة الحبتور، وبين يدي أشعاره عرفت للمرة الأولى رائحة الحنين وأدركت كما أدرك حين يقول (ليس بالقمح سنحيا . . بل بذرات الحنين)، ثم عادت بي الحياة نحو أول الشعر، فقرأت الشعر الجاهلي وما تلاه، ومررت على كل قوافل الشعراء القدامى، حتى وصلت أعتاب الشعر المعاصر والحديث، ومن أكثر من وقفت على أشعاره الشاعر فاروق شوشة وفاروق جويدة وأمل دنقل ونزار قباني ومحمود درويش، وعلى الساحة الشعرية الإماراتية جلست كثيراً تحت ظلال الشاعر سالم العويس، وأحمد أمين المدني وسلطان بن علي العويس، وحمد خليفة بوشهاب، رحمهم الله، ومن الشعراء المعاصرين أقرأ للشعراء عبدالله الهدية، وحبيب الصايغ، وكريم معتوق، وإبراهيم محمد إبراهيم، وسالم بوجمهور، وسالم الزمر، وأحمد محمد عبيد، ود . عارف الشيخ، وعارف الخاجة، وحسن النجار، وعلي الشعالي، وطلال سالم، ومحمد البريكي، وسعيد المنصوري .

وقال علي الشعالي: نحن الشعراء عامة، نكتب للأنثى، ونقرأ للأنثى، وشخصياً، في حدود الإمارات فإننا وقبل أشهرفقط احتفلنا بالشاعرة فتاة العرب عويشة السويدي، وأنا أتأثربشعرها، وحسن انتقاء ألفاظها، وأضاف:

أهتم بشعر نجوم الغانم وشيخة المطيري وصالحة غابش، وعربياً أقرأ أحلام مستغانمي في نصوصها الشعرية . واختتم حديثه قائلاً: إن الأنثى لديها حس عال، وعمق في تلقي التفاصيل، وفهم متميز للحياة، والعلاقات بين الأشياء والأشخاص في أيام الخنساء في التراث، ورثائها الحار .

وقال أحمد العسم: إنني أقرأ شعرالمرأة كثيراً،وهناك شاعرات إماراتيات يكتبن قصيدة النثر، بطريقة جميلة ولافتة، وهن مبدعات حقيقيات، وكتابة قصيدة النثر على طريقة المرأة أمرمختلف، لأنها تكتب بأحاسيس إضافية، وإن كنت في نهاية المطاف أعتبر أن الشعر شعر، كيفما كتب، واختتم حديثه قائلاً: لاتنس أنني أقرأ المترجم من إبداع شاعرات العالم، وأتابعه بشكل خاص .

تقول الشاعرة وفاء خازندار أنا ضد هذا السؤال التمييز بين نساء ورجال في الأدب، فليس هناك أدب نسائي أو أدب رجالي، لأن الكتابة فن إنساني يذهب إلى الروح والوجدان ويتساوى فيه الجنس واللون والعمر، فلو أخفيت اسم صاحب القصيدة، فلو أخفينا اسم صاحب القصيدة فلن نعرف ما إذا كان هذا رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً، أبيض أو أسود، هي تجربة إنسانية عامة وتعبير عن معاناة، وظروف يعيشها الشاعر ويسعى فيها إلى تقديم خطاب يلامس أبعاداً غائرة في كل واحد منا، صحيح أنه قد يكون لدي كأنثى ما يمكن أن أقوله عني وعن مشاعري، ولدى الرجل ما يقوله عن نفسه، لكن في النهاية إذا كشفنا أغطية الكلمات ونزعنا قشور الحياة لن يبقى سوى الجوهر العام الذي يجمعنا جميعاً، وعندها لا معنى للجنسية الأدبية .

مع ذلك استطيع أن أقول إنني قرأت كثيراً لمحمود درويش وأعجبني شعره، أعجبتني هذه السردية الطافحة التي يتمتع بها، وقدرته على تصوير المعاناة من غير ضجيج كثير، لن يجد القارئ لمحمود درويش ذلك الصراخ والعويل الدم المهراق الذي تعج به قصائد آخرين، فهو هادئ لكنه هدوء الجمر الذي يسري في ألمه في الأقدام ولا يلبث أن يصل الدماغ، هدوء المأساة العميقة التي صورها بجدارة وألم ولذة كبيرة، حين أقرأ درويش أعيش ذلك الهدوء الجميل في الروح المعذبة المتقلبة على بساط من جمر، أعيش معاناة فلسطين بكل تفاصيلها وفي عمقها الإنساني البعيد عن الطنين والزعيق، وقد صرح هو في أحاديث كثيرة أنه لا يحول القصيدة إلى تراشق بالحجارة، ميزة محمود درويش أيضاً أنه يعطيك أملاً بالخلاص، أملاً بأن فصل قطف الزنابق قادم، وأن غداً أفضل سيجيء، ولا يغلق في وجهك الأبواب كما يفعل شعراء كثيرون .

وتضيف هناك شعراء آخرون أقرأ لهم كثيراً مثل أدونيس وبدر شاكر السياب، وأمل دنقل، وهذا الأخير لشعره مذاق خاص، هو قدرته على تصوير معاناة الناس وغوصه في أعماق المجتمع، فهو شاعر مغاير .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"