أنتجت القصيدة الإماراتية تفاعلاً ملموساً مع الفضاء الثقافي والتاريخي الذي تنتمي إليه، فشكلت الكثير من الملامح التي يمكن قراءة التجربة الشعرية المحلية في سياقها، إذ صار الحديث عن الصحراء، والبحر، علامة بارزة في صوت القصيدة المحلية، وكذلك تجلت العلاقة بين الموروث والمعاصر، خاصة بعد الطفرة النفطية التي شهدتها الدولة.
مقابل تلك العلامات اللافتة في تجربة الشعر الإماراتي، شكل التحول الثقافي في بنية المجتمع الإماراتي سمات جديدة على القصيدة المحلية، فصارت الدولة التي يعيش فيها أكثر من مئتي جنسية مختلفة من بلدان العالم، نموذجاً منفتحاً على الثقافة الكونية، فتحت أمام الشاعر المحلي فضاءً جديداً في التعامل مع الآخر، وتكريس ثقافة التعايش، والتسامح في بعدها الإنساني والإبداعي.
الكثير من التجارب الشعرية الإبداعية المقيمة في الإمارات تفاعلت مع هذه المعطيات، واشتغل الكثير من المبدعين الإماراتيين بشكل خاص على فضاءات جمالية للمكان مستفيدة من البعد الشرق آسيوي، إلى جانب مختلف أشكال الترجمة، والاحتكاك المعرفي الذي أنتجته خمسة عقود من التعايش، فكانت تجربة الشاعر د. شهاب غانم، على سبيل المثال، تجربة واضحة في هذا الجانب، وكذلك التجربة الأخيرة للشاعر خالد الظنحاني، فضلاً عن مشروع التبادل الثقافي بين الإمارات واليابان.
مقابل هذا الواقع، الذي فرضته اشتراطات التحولات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، يجد الممعن في تجربة الشعر الإماراتي أنها تنتسب إلى ذهنية كونية وإنسانية، تجعل من لغة القصيدة لغة جمالية متكاملة، يمكنها أن تتلمس، مثلاً، حياة قرويين في جنوب القارة الإفريقية، أو تحرك عواطف القراء في بلاد الساحل الكاريبي.
يقول الشاعر أحمد راشد ثاني في قصيدة «لسان البئر المقطوع»: «أنت أنا الذي لم يعبر/ الذي ظل غريقاً في الطوفان/ الذي ظل أنينً، وظلاً/ على شفة البحر/ أنت الذي لم يتكور كصخرة/ لم يُنلْ كقِطاف السرقة/ لم يقف كحائطِ المنتهى/ لم يحتط كبئر في جحر/ لم يحوِّل النجمة إلى مخدة/ ولا النبع إلى صنبور/ لم يرحل/ لم يعد بالرحلة/ لم يعد والرحلة/ على ركبتيه».
تكشف القصيدة عن مناخ كوني يقترب من الإنسان بقدر قربه من راشد ثاني والفضاء الجمالي الذهني الذي ينتسب إليه، فتظهر انشغالات الشاعر مع الذات والآخر، والمقابلة بين الاثنين بوصفهما واحد، كأنه يتجرد من ذاته ليصبح سيرة الوجود الإنساني بكل ما يمكن أن يفتح ذلك من فضاءات واسعة داخل مخيال القصيدة.
مقابل هذا الاشتغال يظهر صوت الشاعر حبيب الصايغ واضحاً في قصيدة من ديوانه «كسر في الوزن» تحمل عنوان «الرقم» فيقول: «طين الحقيقة قبل اشتباك الجذور على نطفةٍ/ فكيف يُشيأُ وهو جموح يسيل؟/ وكيف يهيأ ما بين قوسين/ وهو الدليل الذي ما عليه دليل؟/ لا وجود له ويلم الجهات/ بعضها فوق بعض/ هو مطرقة الاستحاله/ ومسمار حقل الدلاله/ وهو وحشٌ وينقرض الآن/ منذ الخليقة وهو يكدس للانقراض معاوله والعويل».
يكتب الصايغ قصيدته مشرعاً أمام القارئ صورة لواحدة من القصائد العابرة للهوية، والجغرافيا، والخارجة من فكرة التمركز المكاني أو الثقافي، وفي الوقت نفسه يظل ممسكاً بقاموسه اللغوي الخاص، والمزاج الشعري الذي ينتسب إليه، والمحمول الذهني الذي يرجع إليه في بناء نصه الشعري.
يؤكد ذلك الانفتاح على الهم الإنساني إثر التعايش الثقافي ببعديه التفاعلي، والتأثيري، في تجارب الشعر الإماراتي الرائدة والمعاصرة وصولاً إلى التجارب الشابة.
يشير إلى ذلك خالد الظنحاني بوصفه أحد الأسماء المتابعة لمتغيرات الحركة الشعرية الإماراتية، إذ يوضح أن التحوّل الذي عاشته الإمارات على الصعيد الاجتماعي خلال العقود الماضية كان له أثر مباشر في تشكيل مفاهيم جديدة داخل القصيدة المحلية، فالتعرف إلى مختلف ثقافات العالم في ظل المعايشة اليومية يفتح أمام الشاعر فضاء أكثر إنسانية في قصيدته.
ويبيّن أن ذلك لا يعني أن يتخلى الشاعر عن خصوصيته الثقافية والمعرفية التي ينتسب إليها، والمتمثلة في اللغة، والتقاليد، والمرجعيات البصرية، والذهنية، إضافة إلى مجمل المحمول التراثي الذي شكل لدى الكثير من الشعراء خزيناً، لكتابة قصائدهم.
ويعتبر الظنحاني أن انفتاح القصيدة المحلية على مختلف المشارب الثقافية، أسهم بصورة مباشرة في تعميق موضوعات القصائد، والرؤى التي ينطلق منها الشاعر الإماراتي، فصار الشاعر بقدر تمسكه بموروثه الثقافي، قادراً على تلمس المفاهيم ذات الجوهر الإنساني الذي يوحد الإنسان أمام الإبداع.
تظهر تلك السمات التي يشير إليها الظنحاني في معظم النتاج الشعري المحلي الصادر خلال العقود القليلة الماضية، فهدم فكرة التمركز بكل مستوياتها، الثقافية، والجغرافية، والفكرية، كان له أثر، ليس على صعيد المضامين التي قدمها الشعراء وحسب، وإنما في الشكل الشعري والقوالب التي ظهرت في التجربة الإبداعية المحلية منذ أوائل الثمانينات حتى اليوم، ففي الوقت الذي كان الشعر يكتب القصيدة العمودية، ظهرت نماذج قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.
وتربط الهنوف محمد بين التحولات الأسلوبية ومستويات الانفتاح والتعايش الثقافي الذي بات ملموساً في القصيدة الإماراتية، فتقول: «لا يمكن الحديث عن قوالب الشعر الحديث من دون الحديث عن المضامين الحداثية التي رافقتها، فالتحول في القصيدة لم يكن معنياً بالوزن فقط، بقدر ما كان معنياً بالمضامين والموضوعات التي تطرحها القصيدة الحديثة والمعاصرة، وهذا يتجلى في النزوح نحو القصيدة الكونية ذات الأبعاد الإنسانية الباحثة عن جوهر الفعل الجمالي».
تتعدى القصيدة الإماراتية هذه المفاهيم كلها إلى مساحات واسعة أكثر انفتاحاً على الكوني والجمالي المتحرر حتى من العلاقة بين الشاعر وما يحيط به من بشر، لتصل إلى علاقة الشاعر مع كل ما هو موجود، فالشاعر الحقيقي كما يؤكد محمود نور هو الذي ينسج علاقة تعايش بينه وبين كل ما هو كائن وموجود على الأرض، من شجر، وبحر، وجبل.
ينحاز محمود نور إلى حقيقة الشاعر وصورته أمام الإنسانية، فيقول: «لا يعتبر شاعراً من يتخلى عن إنسانيته في قصائده، فالقصيدة هي لغة كونية تخاطب الوجود بأكمله، والحوار الذي يمكن أن يبنيه الشاعر مع وردة ذابلة، هو حوار الإنسان مع الوجود قبل أي شيء».
ويضيف: «يشهد التاريخ الإبداعي على الكثير من التجارب الشعرية الكونية الطابع، فاليوم لا ينتسب عمر الخيام، وجلال الدين الرومي، وابن عربي، إلى جغرافيا، أو هوية قومية، وإنما ينتمون إلى الإنسان بصورة عامة، حيث صارت قصائدهم هي هويتهم، والشعر عندهم معادلاً للوجود وليس للإنسان وحسب».