للراحلين من مشهد الحياة حضور طاغ في ذاكرته، وللمرح مساحة واسعة في جلساته وحديثه، والثقة بالنفس وقوة الشخصية من أبرز سماته، تعلم الكثير من شقيقه الأكبر، الذي لعب أدواراً مهمة في رأس الخيمة حيث رافقه منذ الصغر، وسار على دربه واهتدى بتوجيهاته وأسلوبه في الحياة والعمل، ليخرج لاحقاً من "عباءة أخيه الأكبر"، بمباركة من الأخير ودعم وتشجيع، بعد أن تزود بما يكفيه من خبرات وتجارب، ليواصل شق طريق النجاح في عالم المال والأعمال، وليكون "عدنان يوسف آل عبدالله" أحد أشهر الاستشاريين الهندسيين والمقاولين في رأس الخيمة، ضمن قطاع البناء والتشييد .
* ماذا تتذكر من أيام الطفولة؟
- الوالد، رحمه الله، توفي العام ،1962 وعمري سنتان، في حادث مروري حين كان يقود دراجة نارية، وكان هو من أوائل من اقتنى مع أعمامي سيارات في رأس الخيمة، فيما كان نظام القيادة في الطرق داخل رأس الخيمة حينها على الطريقة الإنجليزية أي الذهاب يساراً والعودة يميناً، والمفارقة أن الوالد كان مريضاً لفترة استمرت بين شهر إلى شهرين، تغير خلالها نظام القيادة من "الإنجليزي" إلى النظام الحالي، من دون أن يدري الوالد عن هذا التغيير، وبمجرد خروجه من المنزل، بعد تعافيه، ركب دراجته وأخذ يقودها عكس السير، نظراً لكونه كان معتاداً على النظام السابق وعدم علمه بالتغيير، لتصدمه سيارة، في حادث أودى بحياته .
شقيق نادر المثال
بعد وفاة الوالد، تولى رعايتي مع أشقائي ووالدتي، رحمها الله، أخي الأكبر المرحوم عبدالله يوسف آل عبدالله، الذي شغل مناصب عدة في رأس الخيمة، بينها رئيس دائرة الأشغال . في حياة والدي كنا نسكن فريج آل علي في رأس الخيمة القديمة، وبعد وفاة الوالد مباشرة انتقلنا إلى حي سدروه، الذي كان حديث التأسيس حينها، وكان الحي لا يضم سوى عدد محدود من المساكن والأسر .
شقيقي الأكبر عبدالله بدأ بتسديد دين الوالد بمجرد وفاته، بعد أن تسلم مسؤولية الأسرة، واستكمل تسديد ذلك الدين تدريجياً، وبادر لاحقاً إلى شراء قطعة أرض، ثم بنى عليها مسكناً جديداً للأسرة في منطقة سدروه، لننتقل إليه، قادمين من "فريج آل علي" .
منزل العائلة كان يتكون من 3 حجرات، وكان شقيقي الأكبر "أبو يوسف" متزوجاً، ويحظى مع زوجته بحجرة خاصة، لتبقى حجرتان تضماننا (7 أشقاء" مع الوالدة جميعاً . وأذكر أن منزلنا في ستينات القرن الماضي بسدروه كان من أوائل منازل الأهالي، التي دخلها المكيف والتلفزيون والهاتف في رأس الخيمة، أقولها صدقاً إننا في رعاية "أبو يوسف" لم نعان بؤساً ولا فقراً، فقد كان حريصاً أشد الحرص على توفير كل شيء لوالدته وأشقائه، لدرجة أنه توجه في مرحلة مبكرة إلى الهند، وأحضر معه "شغالة" للمنزل، لنكون من أوائل المنازل والأسر، التي أحضرت خادمة، وكل ذلك حرصاً على راحة الوالدة وزوجته وأبنائه وأشقائه . كان أيضاً يتابعنا في المدرسة، ويقابل مدير المدرسة، ليتابع دراستنا ودرجاتنا، أنا وشقيقي وأولاده، متابعة دقيقة رغم انشغالاته المتعددة، ويحضر أيضاً اجتماعات أولياء الأمور .
جو الأسرة، التي عشت وتربيت في كنفها، كان يجمع بين الشدة والحنان والالتزام الديني والانفتاح والبساطة في وقت واحد . حينها كانت المنازل والأرواح قريبة من بعضها، أبواب المنازل مفتوحة على مصاريعها ولا تغلق سوى عند النوم، والجيران يدخلون بيوت بعضهم بعضاً، كما لو كانوا أهل بيت واحد، النساء على النساء والرجال على الرجال، مع مراعاة آداب وحرمة كل بيت، وكان من ينقصه من أهل "الفريج" شيء من احتياجات المنزل المعيشية يلجأ فوراً وبتلقائية إلى جاره، وبواقعية أقول: "مستحيل أن يعود ذلك الزمن" .
كانت الأسرة أولى عائلات الفريج امتلاكاً للتلفزيون الأمر الذي، حول منزلنا إلى ما يشبه "سينما" وسط الحي للأسر والعائلات، التي كانت تأتي لمنزلنا لمشاهدة التلفاز وبرامجه، وكان يصلنا إرسال تلفزيون "أرامكو"، التابع لشركة النفط الأمريكية العاملة في السعودية، في الظهران تحديداً، ولاحقاً تلفزيون الكويت من دبي، بجانب تلفزيوني البحرين وإيران، وكانت الأفلام والبرامج ب"الأبيض والأسود" .
في "الفريج"، كنت معروفاً ب"اتزاني" النسبي بين أقراني من صبية الحي، مقارنة بآخرين، رغم ما عرف عني من "شقاوة"، ورغم أن رفاقي حينها كانوا ممن يوصفون باللهجة المحكية ب"الشياطين" .
مواهب متعددة
في المدرسة كنت قائداً للفرقة الموسيقية خلال المراحل المختلفة، الابتدائية والإعدادية وحتى الثانوية العامة، وكنت أعزف على "الأوكورديون" و"الأورج"، الذي امتلكت واحداً منه، بعد أن اشتريته من دبي في صباي، ولذلك قصة طريفة، إذ كنت أدخر من مصروفي لأشتري تلك الآلة الموسيقية، التي كانت باهظة الثمن في ذلك الزمن، لاسيما على صبي في عمري آنذاك، إلى أن طلب مني شقيقي الأكبر الذهاب إلى سوق رأس الخيمة القديم، لأشتري "عيش" للعائلة، وأعطاني نحو ألف درهم، لكنني غيرت وجهتي من سوق رأس الخيمة لشراء الأرز، إلى دبي لشراء "الأورج"، الذي أحلم به . وبالفعل ركبت سيارة أجرة من رأس الخيمة متوجهاً إلى "دار الحي"، حيث اشتريت الآلة الموسيقية بقيمة ألف و500 درهم، وهو مبلغ كبير جداً بمقاييس تلك الأيام، وعدت به إلى منزل العائلة، وبدلاً من "العيش" عدت أحمل "أورج"، لكن ردة فعل شقيقي الكبير "أبو يوسف" كانت مملوءة بالعطف والحنان، فلم يغضب ولم يعنفني، بل أبدى سعادته وتشجيعه، رغم أنني أنفقت مصروف المنزل على شراء "الأورج" لنفسي .
الموهبة الموسيقية استمرت معي، ونقلت هذه الموهبة إلى أبنائي، في حين أن زوجتي هي الأخرى ملحنة موسيقية معروفة، ولها أعمال عديدة في المجال الوطني، ممثلة ب"أوبريتات" . كنت أيام المدرسة أحب "الرسم"، ولدي موهبة ملموسة في "الخط"، ما دفع إدارة المدرسة إلى تكليفي بتخطيط المجلة المدرسية ورسوماتها . كما كانت إدارة المدرسة تصدر شهادات تقدير للطلبة من تصميمي، وتكلفني بعمل الوسائل المدرسية .
*هل تتمنى لو عدت طالباً على مقاعد الدراسة؟
- نعم . أيام المدرسة كانت جداً حلوة، البساطة من أسرار جمالها في الماضي، فلا يوجد تصنع ولا تملق، وكان الواحد منا "يمون" على الثاني، صديقك تحديداً "تمون" عليه، أي تطلب منه ويلبي طلبك ويستر عليك ويداريك في المشاكل حين تقع، خلافاً لأيامنا هذه . كان كل المعلمين يحبونني رغم "شقاوتي" وقلة مذاكرتي لدروسي، إذ لم أكن من النوع "البصيم" في الدراسة، بمعنى أن لمراجعتي لدروسي حدوداً، خلافاً لفئة الطلبة المتفوقين، الذين يمضون ساعات طويلة في الدراسة، وهو ما لم يؤثر في علاقاتي المتميزة مع المدرسين والإدارة و"الناظر" نفسه، وطوال مشواري الدراسي لم يضربني معلم أو إداري .
مشهد آخر من الطفولة يفرض نفسه على ذاكرتي، ويرجع إلى أيام الإجازة الصيفية، حين كنا نذهب طوع أنفسنا إلى "المطوعة" في "الفريج" لحفظ القرآن الكريم، ولم يكن أحد يجبرنا على ذلك، بل كنا نذهب من تلقاء أنفسنا في أيام العطلة الطويلة، وهو ما يحدث يومياً .
استشارات هندسية
* هل تذوقت طعم النجاح في حياتك العملية بسهولة؟
- تخرجت العام 1983 في جامعة فلوريدا الدولية في ميامي بالولايات المتحدة، لتعرض علي بعدها مباشرة وظائف حكومية عدة، منها وظيفة في شركة "توتال" النفطية الفرنسية في مقرها بأبوظبي، لكن نزعتي كانت ولا تزال تميل للعمل في القطاع الخاص . وبالفعل عملت مع شقيقي الأكبر، في الشركة المتحدة للمشاريع العمرانية بمنطقة النخيل في رأس الخيمة، حيث بقيت 10 أعوام حتى العام ،1993 وهي شركة مختصة بقطاع المقاولات، لأتفرغ بعدها للعمل الخاص بي في مجال الاستشارات الهندسية، من خلال استلامي إدارة المجموعة الاستشارية الهندسية، التي لا أزال أملكها وأديرها، بجانب أعمال أخرى متفرقة في قطاعات عدة، أسستها بنفسي تدريجياً خلال الأعوام اللاحقة .
* هل كان، إذاً، طريق النجاح مفروشاً بالورد؟
- طريق العمل ليس سهلاً، لكن لابد من الحظ والفرص والتوفيق، وهو ما توفر لي، ولكن حدوث ركود اقتصادي من العام 1985 حتى ،1990 بالتزامن مع احتلال الكويت، لتأتي بعدها انتعاشة اقتصادية استمرت إلى حتى العام ،1997 وذلك في ظل المشاريع العديدة، التي أطلقها في حينه المغفور له، بإذن الله، تعالى، الشيخ زايد، رحمه الله، وطالت قطاعات مختلفة، من بناء مدارس وتشييد مبان حكومية وبناء "شعبيات" للمواطنين، في إطار عملية إعادة تأهيل للبنى التحتية في الإمارات، ثم جاءتنا الأزمة الاقتصادية العالمية نهاية 2008 .
لا خصومة مع الثقافة
* هل ترى أن هناك خصومة، إن جاز التعبير، بين رجال الأعمال في عالمنا العربي والثقافة؟
- لا، إطلاقاً، فالثقافة ضرورة ملحة لرجل الأعمال الناجح، لاسيما أن العالم أصبح أصغر في ظل ثورة الاتصالات والثورة المعلوماتية . وشخصياً أميل إلى القراءة في الحقل العلمي وعن الاختراعات والرياضة . وأنا برشلوني "قح" .
* توليت مواقع قيادية في القطاع الرياضي، هل تنوي العودة؟
- حسب الظروف ومتى ما توفرت البيئة الرياضية الصحية والمناسبة لي .
* في غياب الأب منذ سن مبكرة، هل شعرت ب"اليتم" صغيراً أم بعد فقدانك شقيقك الأكبر قبل نحو عام و3 أشهر؟
- بالفعل، شعرت باليتم الحقيقي بعد وفاة شقيقي الأكبر، الذي عوضني في صغري عن غياب الأب .
* تجرعت مرارة الفقدان مرتين في سنوات قليلة، الوالدة ثم شقيقك الأكبر، كيف يكون الصبر في غياب الأحبة؟
- الإنسان المؤمن قوي، لا تهزه حوادث الدنيا، وهذا ما ربته فينا الوالدة، رحمها الله، يجب أن يكون الإنسان مؤمناً ويعلم أن هذا قدر الجميع، والمؤمن حين يضع رأسه على المخدة لينام فإنه ينام مرتاحاً .
الوفاء للغائبين
* ما الذي تعلمته منه، رحمه الله؟
- أبو يوسف مدرسة، لا تكفي أسطر ولا صفحات للحديث عنه وعما تعلمنا منه، وعن الأشياء الجميلة والمؤثرة، التي كان يتحلى بها، لاسميا في المجال العملي، فعلى الرغم من دراسته المحدودة، إلا أن فكره تجاوز بعض "الفطاحل" وخريجي أكبر الجامعات في العالم، فقد كان يؤمن بنظرية تقوم على أن العقل في الإنسان مثل المحرك في الآلة، وكلما أعطيت الآلة الوقود تعمل وتدور، وهو ما يعادل المعلومات والعلم لدى الإنسان . وقد تعلم بنفسه، وأجاد لغات عدة . أما نفسياً واجتماعياً فقد أخذنا عنه الحنان والعطف والإخلاص والالتزام، وكنت من أقرب المقربين إليه وبمثابة "أمين سره" .
* كيف يكون الوفاء لمن غابوا؟
- ذكر محاسنهم والحديث عنهم وتعداد أفضالهم علينا والدعاء لهم بالرحمة الواسعة وصلة أصدقائهم وأحبائهم .
* ماذا تمثل لك سنوات الدراسة الجامعية؟
- مرحلة مهمة في حياة أي إنسان، وهي مرحلة انتقالية بين "الشقاوة" والرجولة والاتزان .
* "عيالك"، ماذا أخذوا منك؟
- أخذوا المرح والتواضع، ومن تواضع لله رفعه، كما أخذوا قيماً أخرى، كأن يبادرون بالسلام، وفتح الباب للضيف، واحترام الكبير وإعطاء مكانهم للأكبر عمراً في المجالس . وهذه قيم تربينا عليها، لكنها ضاعت بين فئة من أبنائنا وتنحسر بين شباب اليوم حيث تجد البعض في حياتنا اليومية لا يحترم الكبير ولا يبادر بالسلام .
* هل تربي الحيوانات؟ ومن أي نوع؟
- لا أربيها، ليس نفوراً منها، لكن لمخاوف صحية .
* باعتبارك مهندساً معمارياً ومن العاملين في قطاع المقاولات والتشييد، ألا تخشى من "فقاعة عقارية" جديدة؟
- الإنسان العاقل ورجل الأعمال والمستثمر الناجح يتجنب "المطبات"، والقيادة الرشيدة لدولة الإمارات حريصة على تفادي تكرار التجربة المرة السابقة، التي مررنا بها مع العالم أجمع .
* ما أجمل الأصوات، التي تطرب لها؟
- أبو بكر سالم .
* زرت بلداناً عدة حول العالم، أي مطابخها ترك مذاقاً لا ينسى لديك؟
- المطبخ العربي والشرقي، بحكم التوابل والبهارات المستخدمة في طهي الطعام من قبل شعوب المنطقة .