والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
تحتل قيمة العدل منزلة رفيعة بين القيم القرآنية، حيث نشرها القرآن الكريم بين الناس جميعا، وضبط بها سلوكاتهم وتعاملاتهم وأحكامهم، وذلك لما ينطوي عليه هذا الخلق من أهمية لضبط السلوك الإنساني بمقاييس الحق والعدل، باعتبارها أساس الاستقرار والأمن الذي ينشده الإنسان في كل مكان وفي كل عصر .
تقول د . منى أحمد أبو زيد، أستاذة الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة: العدالة لا تعني في المستوى الفردي مجرد قيمة أخلاقية، ولكن العدالة هي عنوان "اجتماع كل القيم" في الفرد ودليل كماله، كما أن العدالة تعني المفهوم نفسه على المستوى الاجتماعي، فهي ليست في مستوى فضيلة التعاون وحسب، أو في مستوى قيمة البذل والإنصاف، أو ما إلى ذلك من الفضائل والقيم المجتمعية، وإنما العدالة في المجتمع تعني سائر الشروط لقيام مجتمع سليم، وتوفر القيم الضرورية لذلك في تناسق وإحكام، فالعدالة تعني ما به قيام الفرد والمجتمع من قيم أخلاقية من دون إفراط أو تفريط .
والعدالة في اللغة تعني "الاستقامة" . . وفي منظور الشريعة تعني: "الاستقامة على طريق الحق"، وفي اصطلاح الفقهاء هي: "اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، واستعمال الصدق واجتناب الكذب، وملازمة التقوى والبعد عن الأفعال الخسيسة" .
وعرف أحد العلماء العدل بأنه: "استعمال ما ينبغي من الأمور في مواضعها وأوقاتها وفي وجوهها ومقاديرها وفق ما شرع الله دونما إفراط ولا تفريط" .
وبذلك يكون للعدل مجاله الواسع وميدانه الرحب، فهو ليس مقصوراً على الحكم والقضاء أو على قسمة الأموال والحقوق، ولكن العدل أعم من ذلك فهو يشمل: كل ما يقوم به الإنسان من الأعمال الإرادية نحو الله، أو نحو نفسه، أو نحو الآخرين، وهو بهذا المعنى يعم العقائد والعبادات والمعاملات والآداب .
وفضيلة العدل - كما يقول د . القصبي زلط، أستاذ التفسير وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- من صفات الله سبحانه، لأنه منزه عن الظلم، قال تعالى: "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً"، وقال عز وجل: "إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون" . كما قال سبحانه وتعالى: "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً" .
إمام العادلين
والله سبحانه وتعالى أمر رسولنا الخاتم، صلى الله عليه وسلم، بأن يلتزم العدل في كل أقواله وأعماله، ليكون قدوة ومثلاً لكل عباد الله الذين يتلمسون الأسوة الحسنة من رسول الله الذي وصفه خالقه بأنه "على خلق عظيم"، فقال الله سبحانه آمراً رسوله بالعدل: "فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير" . . بل إن الله قد أمر رسوله بالتزام العدل في الأحكام حتى مع غير المسلمين، فقد قال: "فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين" .
وكما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعدل أمر الناس جميعاً بذلك، لأن كل خطاب للرسول، صلى الله عليه وسلم، هو خطاب لأمته إلا في الخصوصيات، حيث أمرنا الله بالعدل في القول فقال: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" . .وأمرنا سبحانه بالعدل في الأحكام فقال: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . ." . . وأمرنا سبحانه بالعدل في الشهادة فقال: "وأشهدوا ذوي عدول منكم وأقيموا الشهادة لله . ." .
وأمرنا الله سبحانه بالتزام العدل عند الإصلاح بين الناس فقال: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين" . . وأمرنا عز وجل بأن نكون عادلين حتى مع الأعداء فقال: "ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"
فالعدل خلق قرآني عظيم يضبط سلوك المسلم وأقواله وأفعاله وأحكامه، ولذلك لا ينبغي أن يفارقه في كل معاملاته مع الآخرين وفي كل شؤون حياته العامة والخاصة . فالعدل يحمل فيما يحمل معاني الحق والصدق والإنصاف والنظام والاستقامة وغيرها من المعاني الجميلة التي تضبط سلوك الإنسان وتوفر له حياة طيبة مع كل المحيطين به والمتعاملين معه .
أساس الأمن والاستقرار
والعدل الذي جاء به القرآن لم يقف عند سلوك الإنسان تجاه الإنسان، بل تجسد عدل الله الشامل في شريعته الخاتمة التي جاءت عادلة منصفة في كل أحكامها .
يقول د . محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة: الشريعة الإسلامية تحمل كل سمات وخصائص العدل، وقد شهد خصومها بذلك، وأكد علماء وأساتذة القانون غير المسلمين ممن درسوها ووقفوا على سماتها وخصائصها أنها شريعة تتسم بالإنصاف والعدل في كل أحكامها وتشريعاتها .
لذلك يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية ضرورة استعادة (العدل) في حياة المسلمين، ويقول: مجتمعاتنا العربية في أمسّ الحاجة الآن إلى عدالة الشريعة الإسلامية لمنع الظلم الذي يتعرض له الإنسان العربي أو المسلم . . ويضيف: إن غياب عدالة السماء عن حياتنا والعمل بقوانين وتشريعات وافدة من هنا وهناك وترك الأهواء تسيطر على قرارات بعض الحكام وأصحاب القرار أدت إلى تلاشى قيمة العدل في حياة كثير من المسلمين، حيث تتدخل الأنظمة الحاكمة في الأحكام القضائية ويفقد القضاء استقلاله ويتهم بعدم الإنصاف وعدم العدالة في كثير من الدول الإسلامية، ولذلك لابد من العودة إلى أحكام وضوابط الشريعة الإسلامية بأحكامها العادلة وتشريعاتها التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم لتكون بحق "المصدر الأساسي للتشريع في عالمنا الإسلامي" .
ويوضح د .غنايم أن التخلق بخلق "العدل" الذي نشره بيننا القرآن الكريم، يعني توفير الأمن والأمان والاستقرار الذي نبحث عنه في عالمنا العربي والإسلامي، فلا أمن ولا استقرار ولا نهضة ولا تقدم لأمة يشيع الظلم فيها وتضيع حقوق الضعفاء فيها، فإقرار العدل من أهم الأمور التي تنشر الأمن والاستقرار في المجتمع، وتقوي الروابط الإنسانية بين الناس، فالعدل يتحقق بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذا أمر من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار اللذين يبحث عنهما أي مجتمع . . وقد جاء في الأثر(بالعدل قامت السموات والأرض)، أي بالعدل والإنصاف والمساواة فيما تجب فيه المساواة، ينتظم الكون، ويتحقق الاستقرار في المجتمع، ويسعد الناس بتبادل المنافع بينهم .
مفهوم واسع
والعدل الذي ربانا عليه القرآن ليس مسؤولية الحاكم أو السلطة القضائية وكبار المسؤولين في الجهاز التنفيذي فحسب، بل هو مطلب إسلامي من كل إنسان أياً كان موقعه في المجتمع، فالأب مطالب بتطبيق العدل بين أبنائه والزوج مطالب بأن يكون عادلاً وموضوعياً ومنصفاً مع زوجته، وكل رئيس عمل مطلوب منه أن يكون منصفا وعادلا مع كل من يعمل معه، وبذلك تتكامل حلقات العدل والإنصاف ونصرة المظلوم في المجتمع الإسلامي .
يقول د . زلط: العدل الذي يأمرنا به الخالق عز وجل في العديد من سور القرآن الكريم عدل واسع النطاق، متعدد الميادين، فهو أولا عدل الإنسان مع نفسه وذلك بحملها على الخير والبعد بها عن الشر، والوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من غير تجاوز أو تعقيد وعدل الإنسان مع غيره، وهو درجات ثلاث، عدل مع من هم دونه من الناس كعدل الحاكم مع المحكومين وصوره كثيرة ووجوهه متعددة، وعدل مع من هم فوقه كعدل المحكومين مع الحاكم، وعدل المرؤوسين مع رئيسهم، وذلك بإخلاص العمل والالتزام بالواجبات . . ثم يأتي العدل بين المتساوين في الدرجة، وذلك بترك الترفع والتعالي وعدم الإذلال ورفع الكلفة وكف الأذى عنهم .
والعدل بهذه الصورة التي يرسخها القرآن في نفوسنا مطلوب من الإنسان في أسرته ومع جيرانه ومع أصدقائه وشركائه . . مطلوب في المصنع والمتجر والحقل والمكتب والمدرسة وفي كل عمل أياً كان نوعه . . مطلوب مع الأحباب والأعداء، وفي السلم والحرب . . ومطلوب في القول والعمل والسلوك وسائر شؤون الحياة .
وفي الختام يطلق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر صيحة تحذير من استمرار الظلم الذي تعددت صوره وأشكاله في حياتنا المعاصرة .