كتب وكُتّاب . .

01:17 صباحا
قراءة 11 دقيقة

د . عارف الشيخ يرصد مراحل تطورها بين 1902 و1972

الخدمات الصحية في الساحل المتصالح تكشف جهود الأجداد

كتاب د . عارف الشيخ الخدمات الصحية في الساحل المتصالح من 1902 - 1972، الصادر حديثاً من الأعمال التوثيقية المهمة التي توضح للأجيال الجديدة الجهود الكبيرة التي بذلها الأجداد في العديد من المجالات الصحية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، ويكشف الكتاب عن التعاون والتكاتف الذي كان قائماً بين أبناء الأمة في مرحلة تاريخية معينة من الخدمات الصحية في الإمارات المتصالحة من سنة 1902 حتى ،1972 إضافة إلى التعاون الصحي الوثيق الذي كان بين الكويت والدول الخليجية، ومنها الإمارات قبل الاتحاد .

عرض: محمد هجرس

يبيّن الكتاب المراحل المختلفة التي مرت بها الخدمات الصحية بدءاً وتطوراً وارتقاءً، ما يؤكد أن المؤلف اطلع على عشرات الملفات والتقى العديد من الأشخاص الذين عاصروا هذا الجهد الرائع وعملوا في المجال نفسه، وهو جهد كبير تحلى صاحبه بالصبر .

وتشير السطور إلى أن المؤلف لم يغفل التاريخ مطلقاً من خلال تنقيبه عن المتخصصين كل في مجاله وإظهار جهدهم وما قدموه للوطن، إضافة إلى إبراز دور البعثة الصحية الكويتية، وكل من اطلع على الكتاب قبل صدوره أصر على تضمينه مقدمة تأكيداً على أن ما جاء به من معلومات، تعد جديدة عليهم، ومنهم يوسف جاسم الحجي، وكيل وزارة الصحة العامة سابقاً، في الكويت، وعبدالله يوسف الغنيم، رئيس مركز البحوث والدراسات في الكويت، ود . رفيعة غباش، رئيسة جامعة الخليج العربي سابقاً في البحرين، ورمضان شبير، نائب رئيس الأطباء بالبعثة الكويتية لإمارات الساحل المتصالح سابقاً، وينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، الأول يتحدث عن الطب في خمس مراحل هي: الطب الشعبي، والطب الحديث، والخدمات الطبية الأجنبية، والخدمات الطبية المحلية، والبعثة الكويتية .

والفصل الثاني خاص بممارسات طبية وصور للخدمات الصحية في حين أن الفصل الأخير يتحدث عن شخصيات مازالت الذاكرة تحتفظ بأسمائهم وأعمالهم .

يبدأ الكتاب بمقدمات عدة، ثم لمحة عن الإمارات المتصالحة التي عرفت قبل ذلك بساحل عُمان، والتي تشمل أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة، والفجيرة، وذكر المؤلف نقلاً عن مجلة العربي الكويتية في العدد 96 لسنة 1966: كون ساحل عُمان يقع على الطريق البحري القديم المؤدي إلى الهند، جلب إلى المنطقة القراصنة الأجانب، فقامت المعارك البحرية الضارية قرب الساحل، وأسفرت عن تسميته قديماً باسم ساحل القراصنة، الذي زال بعد ذلك، وصار الساحل يحمل سبعة أسماء في آن واحد، هي: ساحل الهدنة، والساحل المتهادن، والساحل الأخضر، وساحل عُمان، وساحل الإمارات السبع، والساحل المتصالح، وساحل الإمارات المتصالحة .

وعن الطب الشعبي يؤكد د . عارف الشيخ أنه بلا بداية، وإن كان الناس يحددونه في دولة الإمارات بفترة ما قبل 1943 ميلادية، والسبب أنه نشأ مع نشأة الإنسان ويوضح أن ما يقال عن الكتاتيب يقال عن الطب الشعبي أيضاً، وأنه لا يوجد فرق بين إمارات ساحل عُمان، أو ساحل إفريقيا أو الهند، أو غيرها من البلدان في مثل هذه الأمور، لأن الحاجة أم الاختراع، وما مرض إنسان في زمن من الأزمان إلا وبحثوا له عن علاج في البر أو البحر .

وتطرق الكتاب إلى ذكر المعالجين الشعبيين، وهم: خميس بن محمد المزروعي الذي كان في جزيرة دلما وكان يعالج بالكي الوسم، وعقيدة بن علي المهيري في العين، كان يعالج بالطريقة نفسها، وعبيد بن مصبح بن طوق بأم القيوين وكان يعالج الإبل بالوسم، وأحمد بن سالم بن مزروع الذي كان يعيش في الشارقة ومتخصصاً في علاج تجبير العظام والكسور، وعبيد ين قاسم بن عبيد وكان في عجمان ويعالج بكل أنواع العلاج الشعبي، وجمعة بن بخيت الدرمكي الذي اشتهر في أبوظبي بالختان، ومحمد حسن بن محمد لحمودي الذي اشتهر بالتجبير والحجامة في رأس الخيمة، وأحمد عبدالرحمن النيباري في رأس الخيمة وكان يعالج بالتدليك وهو ما يعرف ب التمريخ، وغيرهم من الذين عاشوا قديماً ونالوا شهرة كبيرة في هذا المجال .

وأضاف: الأمراض التي كانت معروفة قديماً هي: رمد العيون وكان يعالج بالقرمز، والسعال الديكي وكان يعالج بحليب الحمار، وكان الزعتر يستخدم في علاج الزكام، والقرحة علاجها باللبان والعنزروت، أما مرض الأعصاب فكان يعالج بالسمن البلدي، والجروح بالديتول واللبان، وكان الصابون والنشادر أهم مواد علاج السرطان .

وأوضح الكتاب أن مرحلة الطب الحديث صعب تحديدها، لكنها بدأت في الشارقة ودبي سنة ،1902 عندما قام الطبيب شارون توماس بزيارتهما، وعالج بعض الأشخاص، ثم بدأت زيارة الطبيب بول هاريسون لأبوظبي . ويؤكد أن أول مستشفى كان في عجمان في القرن التاسع عشر الميلادي، أسسه ناصر بن عبيد لوتاه، وأسست في الشارقة سنة 1911 عيادة سارة، للطبيبة سارة التي جاءت من عمان، وكانت تقرأ على النساء اللواتي يترددن عليها في العيادة الانجيل وفي سنة 1960 أنشأ الدكتور بات كندي والدكتورة ميريان كندي مستشفى كندي في العين الذي يعرف الآن بمستشفى الواحة . وفي سنة 1966 افتتح مستشفى أبوظبي المركزي، في حين كانت أول صيدلية وطنية في دبي، أنشأها محمد حبيب عندما عاد من دراسته في بعثة إلى الخارج 1939 ميلادية، وهي السنة نفسها التي افتتحت فيها عيادة للطبيب عبدالحسين كامكار، الذي عالج الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، والشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ ذياب بن هلال آل نهيان، والشيخ محمد بن حشر آل مكتوم، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم .

وتطرق المؤلف إلى ذكر أول طبيب مواطن وهو جمعة خلفان بهلوم الذي عاد إلى دبي من القاهرة 1969 ليعمل في المستشفى الحكومي وهو الذي كان يسمى مستشفى المكتوم إضافة إلى الممرضين المواطنين وهم حسين علي خان، وحسين أهلي، وعبدالرحمن أهلي .

وفي الفصل الثاني، يتحدث الكتاب عن مواضيع شتى، منها كيف تقبل الناس الطب الحديث، وتطوع الشيوخ بالعمل في مجال تقديم الخدمات الصحية للناس، لإيمانهم بقداسة مهنة الطب، وعن الصحة المدرسية التي دخلت إلى المجال التعليمي، بعد أن كانت خارجه قبل الاتحاد، والتغذية المدرسية، وأهل الإمارات وعلاقتهم بالمصايف .

والفصل الأخير عبارة عن شخصيات في الذاكرة، ومنها الدكتور مكولي وهو طبيب وجراح، كان عضواً في الخدمات الطبية الهندية التابعة للحكومة البريطانية وتقاعد، وأصبح مسؤولاً عن مستشفى المكتوم، وكان مولعاً بحب كلبه ويصطحبه معه في سيارته إلى أي مكان، إضافة إلى الدكتور محمد ياسين الذي كان أول الأطباء الذين وفدوا إلى الإمارات المتصالحة سنة 1943 بقرار من الحكومة البريطانية، وانتشر مرض الجدري في دبي، وقت أن كان مسؤولاً عن مخزن الأدوية الصحية فيها وغير ذلك من الأطباء الذين أسهموا في وضع اللبنات الصحية الأولى . ويذكر المؤلف شخصيات أخرى عملت في مجالات مختلفة ومنها يوسف جاسم الحجي، وحجي جاسم الحجي الذي كان أديباً مبدعاً، وبدر الخالد البدر وكان طياراً من سنة 1935 حتى 1941 .

* * *

التشريعات أسهمت في تهريب نصفها

صفحات مجهولة من تاريخ سرقة الآثار المصرية

القاهرة الخليج:

منذ 177 عاماً كانت مصر من أولى دول العالم التي شرعت قوانين ولوائح لحماية الآثار، بدءا من العام ،1835 وأعقب ذلك على مدار السنوات الماضية عشرات القوانين واللوائح التي تتحدث عن حماية الآثار وضوابط خروجها والاتجار فيها، وحتى نقلها بالسكك الحديد وغيره، فكيف تم إخراج الآثار، أو بالأصح تسريبها، رغم كل القوانين والضوابط واللوائح والقرارات، وكيف لم تتمكن مصر من استعادة هذه الآثار كاملة، رغم كل المحاولات التي جرت؟

مثل هذه الأسئلة دعت المستشار أشرف العشماوي لأن ينجز كتابه المهم سرقات مشروعة عن الدار المصرية اللبنانية، وفيه يسرد حكايات عن سرقة آثار مصر وتهريبها ومحاولات استردادها، وقد اكتشف العشماوي بعد البحث والقراءة والتطبيق أن تلك القوانين قد اكتسبت أهم ما يميز الآثار ذاتها من غموض، فهي تحوي أسرارًا لا تزال تبوح بها، حتى الآن، كما يقول الآثاريون دائما، وعلى ما يبدو أن قوانينها قد اكتسبت منها ذات الصفة .

يقول العشماوي: لم أتوقف عن البحث، لأن ما قرأته في هذا المجال أثار اهتمامي وفضولي، فبدأت أتعمق أكثر وأكثر، وبدأت أجد متعة كبيرة في دراسة تلك القوانين واللوائح وتأملها، واستطعت أن أستنبط جانباً مهماً من الحياة الثقافية المصرية من خلالها، فالتشريع كان دائماً، وسيظل أبداً، مرآة المجتمع، الذي يعكس صورة شبه كاملة، لما كان عليه حال المواطنين، فمن خلال نصوصه التي كانت تحكم سلوكهم في فترة من الزمن نستطيع أن نتوصل إلى جوانب مختلفة من حياتهم في هذه الفترة، وكذلك نوعية الجرائم، التي كانوا يقدمون على ارتكابها .

ويعود السؤال مرة ثانية: هل نجح المصريون في الحفاظ على الآثار بالقانون، أم أن بعض القوانين ساعدت البعض على تملك جانب من هذا التراث من دون حق، فصار أمرًا مشروعًا، فخرج ولم يعد؟ إن سرقة التراث كما يؤكد المؤلف ستظل دائماً وأبداً في نظر التاريخ جريمة كبرى، لكن في بعض دول العالم الناس أسهمت بعض القوانين في جعلها عملاً مشروعاً لبعض الوقت .

لقد أسهمت تلك الغابة من التشريعات في خروج أكثر من نصف الآثار المصرية بنظام القسمة، لما كان يكتشف بباطن الأرض، فضلاً عن عرض بعضها للبيع بالمتحف المصري، ثم سماح بعض حكام مصر، على مر العصور، لأنفسهم بإهداء المئات من القطع الأثرية النادرة لملوك وأمراء أوروبا، في حين قام بعض الحائزين ممن يمتلكون مجموعات خاصة من القطع النادرة باستبدالها بأخرى مقلدة، فهربوا جزءاً لا بأس به من التراث المصري للخارج بلا عودة .

وهناك أيضاً اعتقاد بأن من يعثر على خبيئة آثار مدفونة، فإنها تكون ملكاً خاصاً له، لا للدولة، وهو لا يزال اعتقاداً سائداً لدى كثير من المنقبين، خاصة في صعيد مصر، ما جعل السرقة عملاً مشروعاً لدى البعض، وليس جريمة يعاقب عليها القانون .

في هذا الكتاب يحاول المستشار أشرف العشماوي استعراض صفحات مجهولة من تاريخ سرقة ونهب وتهريب الآثار المصرية، تحت حماية القانون، وفي ظل عباءته، وكيف استخدم السارقون الوسائل المختلفة لتنفيذ ذلك منذ عصور قدماء المصريين، وصولاً إلى حادثة سرقة المتحف المصري الشهيرة ليلة 29 يناير/ كانون الثاني ،2011 وانتهاء بحريق المجمع العلمي في القاهرة عمداً في نهاية العام ذاته .

واستعان المؤلف بالصور النادرة والوثائق والمستندات التي تنشر أغلبيتها حماية الآثار منذ عهد محمد على باشا، وكيف تغلبت المصالح السياسية على اعتبارات الحفاظ على الآثار، فأصبح ملوك ورؤساء مصر هم الذين يقومون بإهدائها لملوك الدول الأجنبية، ليسهموا بذلك في خروجها بشكل مشروع، لتنعم بها شعوب وبلاد أخرى، كما روى المؤلف قصصاً كثيرة نادرة عن أطرف وأخطر وسائل سرقة الآثار ومحاولات استعادتها التي كلل بعضها بالنجاح، ومع ذلك ستظل سرقة الآثار عملاً غير مشروع على عكس عنوان الكتاب قد تنحسر أحيانا، وقد تنزوي أحياناً أخرى، لكنها لن تتوقف أبداً .

ويشير الكاتب إلى أنه حان الوقت لوضع قانون موحد للتراث الحضاري، لمواجهة جميع جرائم البيئة الثقافية والأثرية من ناحية، وفي الوقت ذاته فرض قواعد تنظيمية للحماية وتداول المقتنيات الثقافية، بصورة تشجع على الارتقاء بالذوق الفني والثقافي للمقتنيات العامة والخاصة، وعندما يصدر هذا القانون كما يقول المؤلف سيكون أشبه بمن يصيب عدة أهداف بحجر واحد، فتوحيد التشريعات الأثرية والثقافية والمرتبطة ببعضها البعض، في قانون واحد، والقضاء على تداخل اختصاصات وزارات وهيئات أخرى مع وزارة الثقافة المصرية، وتوفير غطاء قانوني لمقتنيات ثقافية وفنية ومتاحف متخصصة، هو أمر لا يمكن البدء في تحقيقه إلا من خلال هذا القانون، ثم تأتي مرحلة تفعيله من خلال تنمية الوعي الفني والثقافي لدى المواطنين .

أما على المستوى الدولي، فإن القواعد القانونية الدولية والاتفاقيات ذات الصلة، ستظل ضعيفة ما دامت لا توجد إليه تجبر الدول على إعادة الممتلكات الثقافية المسروقة، وتكتفي بعبارات دبلوماسية من نوعية تقديم العون والمساعدة وتذليل العقبات التي لا تؤدي إلى نتائج محددة واضحة وتسمح بالمماطلة في ضرورة إيجاد آليات بديلة لفض النزاع، وتعزيز استرداد الممتلكات الثقافية المعتدى عليها .

* * *

العين الساهرة بشبه الجزيرة العربية

الصراع الدولي على عدن

قام البريطانيون باحتلال عدن عام ،1839 وكانت دوافعهم عديدة، لكن علاقة البريطانيين بعدن، واهتمامهم بالمناطق المتاخمة لها، لم تبدأ مع هذا التاريخ، بل كان الاهتمام من جانبهم يتزايد اعتبارا من العام ،1600 وهو تاريخ إنشاء شركة الهند الشرقية البريطانية، وقد وقعت الملكة اليزابيث الأولى وثيقة إنشاء هذه الشركة في 31 ديسمبر/ كانون الأول عام ،1600 وكان الغرض الخفي وراء إنشاء هذه الشركة، هو الهيمنة البريطانية التجارية على شبه القارة الهندية، واستغلال هذه المنطقة اقتصادياً، وكان السبب الجوهري وراء إنشاء الشركة امتداد النفوذ البريطاني الاستعماري إلى بلاد الشرق، وفي سبيل ذلك اصطدمت المصالح البريطانية، وتعارضت مع المصالح الاستعمارية الهولندية والفرنسية، إلا أنه بعد العام 1763 أصبحت شركة الهند الشرقية البريطانية أكثر نفوذاً وزادت مصالحها، بحيث أصبحت القوة الأعظم .

وفي هذا الإطار يمكن قراءة كتاب فتحي أبو طالب الصراع الدولي على عدن والدور المصري، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث يشير إلى أن نفوذ شركة الهند الشرقية البريطانية تعاظم بعد أن تنازلت فرنسا لبريطانيا، على أساس معاهدة باريس في فبراير/شباط 1763 عن كل ممتلكاتها في شبه جزيرة الهند، في ما عدا بعض المراكز قليلة الأهمية مع التعهد بعدم إنشاء أية مراكز حربية فرنسية في هذه المناطق .

ويؤكد الكتاب أن اهتمام البريطانيين في ذلك الوقت بعدن كان يتركز على حماية وتأمين الطرق الموصلة بين أوروبا والهند، وحماية التجارة والمصالح الاقتصادية البريطانية في منطقة المحيط الهندي، وقد اكتفى البريطانيون بأن لجأوا إلى محاربة أعمال القرصنة في منطقة الخليج العربي، حتى لا تهدد مواصلاتهم وتجارتهم مع إيران والعراق وتقوض مصالحهم الاقتصادية، ولم يفضل الاستعمار البريطاني عدن، فموقعها جعل بعض المؤرخين يصفونها بأنها العين الساهرة في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت .

ويوضح الكتاب أنه في العام 1609 أرسل البريطانيون إحدى السفن، بغرض إقامة علاقات تجارية بين بريطانيا وبلاد اليمن، وعندما وصلت إلى عدن، استقبلها حاكم اليمن استقبالاً طيباً، إلا أن العثمانيين شكوا في أن النوايا ليست مقصورة على الأغراض التجارية، فاعتقلوا قائدها وصادروا حمولة السفينة، وتعتبر هذه أول محاولة بريطانية مبكرة للتدخل في شؤون عدن والوصول إلى البحر الأحمر، وقد فشلت فشلاً ذريعاً، لكن بعد سنتين أرسلت بريطانيا ثلاث سفن إلى عدن، ودار قتال شديد بين العثمانيين والبريطانيين، وتم توجيه إنذار إلى البريطانيين، بعدم العودة مرة أخرى إلى شبه الجزيرة العربية، وتهديدهم بعواقب أشد وأقسى، وهكذا لم يتمكن البريطانيون من تحقيق أهدافهم، إلا أن شركة الهند الشرقية لم تستسلم وعاودت الكرة مرة أخرى في العام ،1612 وقدمت اعتذاراً عما حدث من قبل، حتى إن الوالي العثماني أصدر تعليماته بالسماح للأجانب بحرية التجارة على السواحل اليمنية، وبذلك حقق البريطانيون بعض النجاح .

ويشير الكتاب إلى أنه بمرور الوقت، ونتيجة الوهن الذي أصاب حكم الأئمة في اليمن، تشجع بعض الحكام المحليين وأعلنوا الاستقلال والانفصال، وفي ذلك التوقيت بدأت فرنسا تتطلع إلى الحصول على نصيب من كتلة الاستعمار في منطقة البحر الأحمر، ونجحت في توطيد علاقتها بالهند وبعض موانئ البحر الأحمر على الساحل الشرقي لإفريقيا، وظهرت النوايا الفرنسية من خلال تصريحات القنصل الفرنسي في مصر آنذاك، الذي قال: إذا صار الفرنسيون سادة للبحر الأحمر فإنهم يستطيعون أن يهددوا مصالح البريطانيين وأن يطردوهم من الهند عن طريق السويس .

وكان القصد من وراء غزو مصر تحقيق الهدف الأبعد مدى باستغلال هذا الطريق الأقصر والأكثر أمناً والموصل إلى الهند، وحرمان بريطانيا من استخدامه .

ويوضح الكتاب أن حملة بونابرت على مصر كانت فاتحة الصراع العلني بين انجلترا وفرنسا حول طريق البحر الأحمر، وقطع طريق بريطانيا إلى الهند عن طريق الشرق الأوسط، وكما يقول المؤلف، فإن هذه الحملة كانت فاتحة التطلع الصهيوني نحو استعمار فلسطين، وما يؤكد ذلك أن نابليون كان قد أصدر بياناً في العام 1799 يدعو فيه يهود آسيا وإفريقيا أن يسارعوا تحت رايته إلى دخول أورشليم وإعادة بناء الهيكل .

وأصبح التنافس البريطاني الفرنسي شديداً ومتزايداً في منطقة البحر الأحمر، خاصة عند المدخل الجنوبي عدن أو في شماله مصر، وبعد فشل الفرنسيين وهزيمتهم تقدمت قوة بحرية بريطانية إلى جزيرة بريم واحتلتها، وهذه الجزيرة أضيق نقطة في بوغاز باب المندب الموصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، وكان أحد اللوردات قد صرح في العام 1805 بإنشاء وكالة تجارية في عدن، وان احتلال الهند لن يحقق المكاسب السريعة والفائدة لبريطانيا على النحو الذي يمكن أن تحققه عدن للمصالح البريطانية .

وبعد مناوشات عدة أصبحت لبريطانيا اليد العليا والقابضة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بعد توقيع معاهدة رسمية عام 1812 مع إمام اليمن، تحت تهديد مدفعية الأسطول البريطاني، الذي تواجد بصورة كبيرة في البحر الأحمر، واكتمل النجاح للبريطانيين باحتلالهم عدن في العام 1839 .

يعرض الكتاب أيضاً لأهمية عدن بالنسبة لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وموقف مصر من هذا الاحتلال، كما تعرض لتجارة السلاح بين القبائل اليمنية وازدهارها بعد الاحتلال البريطاني لعدن .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"