الرجل الألوف المتواضع

من مآثر الصدّيق
05:53 صباحا
قراءة 4 دقائق

بادئ ذي بدء، أود الإشارة أولاً إلى أن كلمة الصديق إنما تطلق على الشخصية الإنسانية الكثيرة الصدق والدائمة التصديق والكاملة فيه، والتي يصدق قولها بالعمل . وفي كتاب التعريفات للجرجاني، الصديق: هو الذي لم يدع شيئاً مما أظهره باللسان إلاّ حققه بقلبه وعمله .

أما المعلم بطرس البستاني فيقول في محيط المحيط: الصديق: لقب أبي بكر شيخ الخلفاء الراشدين، لتصديقه أمر المعراج عند سماعه به . ولَقَبُ أيوب لصدق احتماله وصبره . ولقب يوسف لصدق أمانته . ومنه في سورة يوسف يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمانٍ يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون .

صفات نادرة

وقد اتفقت في شخصية أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار جميع من عرفه عن قرب أو عن بعد، وأقوال جميع من وصفه من الكتاب والمؤرخين، خصوصاً لجهة صفاته الخلقية، وما كانت تدل عليه أعماله وأياديه، سواء في الجاهلية أو في الإسلام . إذ أجمع الناس أن أبا بكر رضي الله عنه كان الرجل الألوف المتواضع الذي يحسن العشرة، فلم يتعال على أحد قط لا في جاهليته ولا في إسلامه حتى إنه كان في أيام خلافته أكثر تواضعاً للناس قبل توليه شؤون الخلافة وتدبير أمورها بينهم .

وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم بفارق شخصية الصديق الإسلامية . وفي رواية من أشهر الروايات عن مرض النبي صلى الله عليه وسلم، أن بلالاً جاءه يوماً، وقد اشتد به المرض، فقال عليه السلام: مروا أبا بكر فليصل بالناس وعندما راجعته السيدتان عائشة وحفصة بأن أبا بكر رجل أسيف (أي الرقيق القلب البكاء)، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس . فلو أمرت عمر؟ بدرت من النبي صلى الله عليه وسلم علامة الضجر فقال مرة ثانية: إنكن صواحب يوسف . ثم قال مرة ثالثة: مروا أبا بكر يصل بالناس .

كذلك روى عبدالله بن زمعة أنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عمر في المسجد وأبو بكر غائب . فقال: يا عمر . قم فصل بالناس . فتقدم فكبّر . وكان رجلاً مجهراً . فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته سأل: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون . يأبى الله ذلك والمسلمون . ولام عمر عبدالله بن زمعة قائلاً: ويحك، ما صنعت لي يا ابن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلاّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك . ولولا ذلك ما صليت بالناس . قال ابن زمعة: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء . ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة .

وفي رواية مشهورة أن عمر رضي الله عنه فاتح أبا عبيدة في اختيار الخليفة فقال له عندما سمع بأن الأنصار مجتمعون في سقيفة بني ساعدة: أبسط يدك فلأبايعك . فأنت أمين هذه الأمة على لسان رسول الله . فقال له أبو عبيدة: ما رأيت لك فهة أي زلة قبلها منذ أسلمت . أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟ وهذه الرواية إن دلت على شيء، فإنما تدل على فارق شخصية أبي بكر الإسلامية بين عموم قادة المسلمين الأوائل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً .

ولا غرو فإذا كان اختيار أبي بكر للخلافة، قد تمّ بصورة طبيعية وواقعية وجدت قابليتها عند جموع المسلمين، فقد كان لذلك شرائط اجتمعت لأبي بكر الرجل الألوف والمتواضع أكثر مما اجتمعت عند غيره من قادة المسلمين . من ذلك مثلاً شرائط السن والسبق إلى الإسلام، وصحبة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغار . وكذلك عظم المودّة المرعية بين أجلاء الصحابة، ومعظمهم ممن دخلوا في الإسلام على يديه .

أول أمير للحج

وكانت لأبي بكر الرجل الألوف والمتواضع إمارات تدل على شخصيته الإسلامية الفارقة بين عموم الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر . وهي إمارات مشهورة ومتفق عليها . فقد بعث به النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على الحج وهو بالمدينة، وذلك قبل مرضه عليه السلام، فكان أول أمير للحج في الإسلام وذلك سنة تسع من الهجرة . قدم المسلمون مكة، قام أبو بكر فخطب الناس محدثاً عن المناسك . وقرأ علي سورة براءة حتى ختمها . ثم كان يوم عرفة فخطب أبو بكر وقرأ علي رضي الله عنه السورة . وهكذا حتى انتهت المناسك . وعندما شهد النبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة الاقتتال بين جماعة من الأوس، ذهب يصلح بينهم، وقال لبلال: إن حضرت الصلاة ولم آتِ فمر أبا بكر فليصل بالناس .

كذلك أثبت الإمام البخاري عن جبير بن مطعم أن امرأة أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه . قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت . قال: إن لم تجدينني فأتي أبا بكر .

حقاً كان أبو بكر الصديق فارق الشخصية الإسلامية في زمانه بامتياز . فقد وصفه كل من عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما في اجتماع السقيفة فقالا: إنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة . والصلاة أفضل الدين عند المسلمين . فمن ذا الذي ينبغي أن يتقدمك أو يتولى الخلافة عليك؟ ابسط يدك نبايعك .

ولم يكن تآلف أبي بكر الصديق مع الناس محض مجاملة باللسان، مما يستسهله اليوم معظم القادة والمشهورين سواء بالتودد أو بالمجاملة، بل كان تآلف النجدة والكرم والسخاء . وهذا ما جعل ابن الدغنة يقول لقريش مؤنباً، وقد هم أبو بكر رضي الله عنه بأن يهجر بلده: أتخرجون رجلاً يكسبُ المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على الحق؟ فقد كان رضي الله عنه ودوداً ألوفاً كريماً متواضعاً صاحب مودة صادقة وكرم وسخاء وجاه لا يضن به على محتاج يقصده في أي حين .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"