الدعاة وفقه التعايش

00:43 صباحا
قراءة دقيقتين
الإسلام هو صيغة الحق الإلهية لخطاب البشر كافة لكن دون إكراه، والنبي محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم النبيين الذي جاء ليتمم مسيرة الأنبياء، وليكمل البناء الذي يغرس في الإنسانية أروع العقائد وأرسخ الإيمان.ومعنى هذا أن الإسلام يخاطب الجميع، فهو يجمع ولا يفرق، إذ انه يضم علامات الخير التي تصله بأهل الأرض قاطبة عن طريق المعايشة السلمية، إن لم يكن عن طريق الاقتناع الحر.ومع أن سوادا عظيما من البشر يعيشون في عزلة عن الله، إلا أن الإسلام دائما يؤثر المحاورة والمجادلة بالتي هي أحسن حتى وهو في أوج انتصاراته.لقد اعترف الإسلام بتعدد شَعبي ومذهبي، وفي صحيفة المدينة يؤكد رسول الله عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ في التعايش السلمي، ويعطي حق المواطنة لكل من عاش مسالما في هذه الأرض واستظل بسمائها.بيد أن البعض حينما يرى فكرة سيئة عن الإسلام، فإنه قد يسلك طريقا يتسم بالعنف، وهذه هي مشكلة هذا الاتجاه في فهم الدعوة والحركة على سواء. إن الفهم الذي يعتبر المفاصلة والتعنيف هو وسيلة التغيير الوحيدة، ليس فقهاً إسلامياً كما هو الإسلام في مقاصده الدعوية ورحابته الإنسانية، ولذلك هم يدفعون إلى تأكيد فكرة الأصولية الإسلامية وأن الإسلام دين عدواني متطرف. لكن مع الحرب المستعرة على الدين الجديد وعلى أتباعه، فإن البعض يفقد صوابه ويشتط في ردود أفعاله ويعمد إلى بعض ظواهر النصوص التي يحاجج بها عن تصرفه.وكثيراً ما يفضي التمسك بالظواهر وإهمال الأهداف العليا، إلى سقوط مروّع، وفي حياتنا المعاصرة كمّ هائل من المآلات الشنيعة نتيجة القصور المخل والمعيب في فهم النصوص.فبدل أن يقدم الدعاة دينهم مقرونا بالبراهين التي تجعله بصائر للناس، وبدل أن يكونوا صورة مغرية لدعوتهم، إذا بالبعض يخوض بالفقه الأعمى فتنا مظلمة.إن الإسلام دعا بنيه إلى بذل النصح حتى يبلغ أعماق القلوب، وطلب منهم طلباً حاسماً أن يبقوا حتى اللحظات الأخيرة متمسكين بفضائلهم.لقد نسي البعض أننا أمة دعوة وقرَن سلوكه بالكبرياء، وما أجاز الإسلام هذا إلا بشروط مطوّلة، ثم إعلام العدو بعد كل ذلك بأن غدراتهم لم تعد تؤمن، وخياناتهم لم تعد تُقبل: وَإِما تَخَافَن مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِن اللّهَ لاَ يُحِب الخَائِنِينَ (الأنفال: 58).جاء في تفسير القرطبي قال النحاس والمعنى وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وهم يثقون بك فيكون ذلك خيانة وغدراً إِن اللّهَ لاَ يُحِب الخَائِنِينَ.ولكي ننهض من جديد لا بد من الاجتهاد والتأني، ومعرفة الآخر، بل والتعايش معه، وتنشئة الأجيال على البصر في ذلك، فتلك من معالم الدين التي تحتاج إلى جهد لإحيائها من جديد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"