مشروع بناء لبنة جديدة في عش الزوجية
"خطّابة" رسمية تحارب العنوسة والزواج بأجنبيات
بدأت هيئة تنمية المجتمع في دبي تبني مشروع جديد أطلق عليه بناء والهدف منه حل مشكلة تأخر سن الزواج بين المواطنات وتسهيل تعارف الشباب والفتيات، وعدم لجوء أي من الطرفين للزواج بالأجانب . وجاء هذا القرار بعد دق ناقوس الخطر بسبب الإحصاءات التي أعلن فيها أن نسبة المواطنات المتزوجات من أجانب بلغت خلال العام الماضي فقط 5 .12% .
يقول محمد بكار بن حيدر، المدير التنفيذي لقطاع الدعم المجتمعي في هيئة تنمية المجتمع في دبي، إن الهيئة تتعامل مع الاحتياجات الملحة التي تطرأ على المجتمع وهدفها الرئيس توفير الحماية والرعاية والتمكين لجميع المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، وطبقاً للإحصاءات عندما تبلغ نسبة المواطنات المتزوجات من غير مواطنين 5 .12% في العام الماضي، فقد تعدينا ناقوس الخطر بمراحل وكان لابد من بحث المشكلة ومحاولة إيجاد حلول لها، فبالتأكيد أغلبهن لم يتقدم إليهن أحد من المواطنين للزواج بهن، لذلك كان لابد من معرفة أسباب ذلك والبدء في توطيد أواصر المجتمع الإماراتي وتوفير الفرصة لكل من الشاب والفتاة للتعارف إلى إطار مشروع بناء الذي يراعي كل القيم المجتمعية والتقاليد الإماراتية .
يضيف: الهدف من المشروع بناء أنوية جديدة لمجتمع الإمارات، وحل مشكلة تأخر الزواج، وتشجيع المتقدمين من خلال منحهم الدعم النفسي، والثقافي والاجتماعي، وهو مشروع موجود في المجتمع الإسلامي منذ بدايات تكوينه، وبدلاً من اللجوء إلى الخطّابة العادية والموجودة في كل مكان ولا يكون هدفها إلا الحصول على المال من الطرفين، رأينا أن نضع المشروع في إطار رسمي وقوي، فالهيئة لها خبرات كثيرة في مجال التوافق الأسري وتقوم بهذا الدور بشكل مجاني .
ويوضح أن الهيئة بدأت في استقبال طلبات الشباب من المواطنين من الطرفين الراغبين في الزواج بمقرها، وتم أخذ البيانات الثبوتية مثل بطاقة الهوية وجواز السفر وصورة شخصية وشروط الطرف الراغب في الزواج والمواصفات التي يريدها في عروسه، مشيراً إلى أن كل طرف لديه صورة في مخيلته عن الطرف الآخر . ويقول: المشروع موجه بشكل رئيس للأشخاص الذين لم يسبق لهم الزواج، ولكن إذا تقدم أرمل أو مطلق أو لديه أسباب مقبولة للاقتران بزوجة ثانية فالهيئة لن تستطيع أن تحرم شرع الله، ولن يكون في مقدورها أن تغلق الباب في وجهه، وما يميز الهيئة عن الخطّابة العادية أنه سيكون بإمكانها التعاون مع مختلف الجهات الحكومية للتأكد من جميع البيانات المقدمة إليها حتى تطمئن الأسر، كما أنها اشترطت في المتقدم للزواج أن يكون لديه مكان للسكن يقبله الطرف الآخر، ولم تضع حداً أدنى لراتب الزوج، لأن هناك من المواطنات من ترضى بالقليل لتتزوج ويكون لديها بيت وأسرة .
وحول مدى إمكانية اللجوء لمن كن يعملن في مراكز للترويج، يقول: هذا العمل يشترط فيه الخبرة وليس المؤهل الدراسي، فمَنْ ترحب بالعمل التطوعي معنا فنحن نرحب بها، ونؤكد على التزامنا لجميع المتقدمين للزواج بالحفاظ على سرية البيانات المقدمة ويحق لأي شخص سحب الملف الخاص به في أي وقت شاء، والمشروع يخضع للهيئة وهي هيئة محلية خاصة بإمارة دبي، لكن ذلك لا يمنع من أن يشمل المشروع جميع المواطنين على أرض الدولة، ويتم فقط تزويج المواطنين من مواطنات في جميع إمارات الدولة، وسيتوسع في مراحل متقدمة ليشمل جميع المقيمين بشرط زواج المقيم بغير مواطنة، لأن الهدف الأساسي من المشروع هو تزويج المواطنين من مواطنات .
وعن الأماكن التي سيتم استقبال الراغبين في التقدم للزواج فيها يوضح أنه يتم استقبال الطلبات في الهيئة، وسيتبعه استقبالها قريباً في مركز الخوانيج المجتمعي، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل سيفتتح مركز آخر في حتا لاستقبال الطلبات .
وأكدت وداد ناصر لوتاه، مستشارة أسرية في هيئة تنمية المجتمع، أن هناك قبولاً كبيراً للمشروع، ففي ثالث يوم لبدء تسجيل الطلبات تقدم نحو 29 شخصاً .
تقول: أرفض بشدة استقبال الطلبات من خلال الاتصال الهاتفي، لأنه لا يعبّر عن شكل الشخص وطريقة تفاعله، وأشترط حضور المتقدم بنفسه وفي المقابلة الأولى أخبره أن هذا الأمر سري للغاية في جميع خطواته وأطلب منه أن يقوم بتسجيل بياناته الشخصية ومنها الالتزامات الخاصة به والمواصفات التي يريدها في شريك الحياة سواء الشكلية أو العمر الذي يرغب فيه، وأو الدراسية، وهل يريدها منقبة أم محجبة فقط، وأبدأ في ضرب أمثلة لهم لأعرف مدى تجاوبهم مع المسائل الدينية والأخلاقية وكيف يتصرفون في مسائل معينة مثلاً، فأقول للفتاة إذا كنت تعملين في أحد البنوك ووجدت عميلاً غضبان أو منفعلاً فكيف تتصرفين؟ ومن إجابتها أعرف هل هي إنسانة عصبية أو هادئة الطباع وأبدأ في تقديم النصح لها، كما أعرف بعضاً من صفاتها الأخلاقية مثل الإيثار والرحمة والتواضع وهذا ينطبق على كل من الشاب والفتاة، ثم الالتزام المادي وكيف يتصرف في راتبه وما هي الالتزامات التي عليه، وهل يعول والديه أو أحدهما أو أحداً من الأخوة، وهل لديه ديون أو التزامات أخرى وبالنسبة للفتاة كيف تتصرف في راتبها وهل لديها التزامات أم لا، ورابع شيء هو الالتزام الاجتماعي هل سبق للشاب الزواج أم لا، وهل لديه مسكن أم يعيش مع والديه؟ وأبدأ في دراسة الحالات وأرى الحالات التي تتوافق مع بعضها بعضاً، وأبدأ في إجراء الاتصالات بها .
* * *
المتزوجون يؤيدون والآخرون يرون المشروع مخالفة للتقاليد
أثار خبر إنشاء مشروع بناء ردود فعل واسعة بين الشباب، واختلفت الآراء ما بين مؤيد ومعارض، فمنهم من يرى ضرورة طرق كل الأبواب للحاق بقطار الزواج ويؤيد هذا الرأي الشباب المتزوج الذي تخطى الثلاثين، بينما يعارض كثيرون من الشباب والفتيات المشروع ويرونه مخالفاً لقيم وتقاليد المجتمع الإماراتي وهؤلاء بالطبع مازال معظمهم في أوائل العشرينات .
ترى فاطمة خلف، طالبة في جامعة الإمارات، أن وجود خطابة حكومية أمر ليس ضرورياً، لأن كل عائلة يوجد بالفعل لديها خطابة وهي تحضر الأفراح والمناسبات وترى الفتيات وتستطيع التوفيق بينهن وبين الشاب الراغب في الزواج، وهو أمر تقليدي .
وتوافقها الرأي فاطمة أحمد، الطالبة في كلية العلوم الإنسانية في جامعة الإمارات، التي لا تؤيد انتشار مثل هذه المكاتب، وترى أن الفتيات في المجتمع الإماراتي يخجلن من الذهاب أو إرسال بياناتهن بهذه الطريقة .
وفاء إبراهيم، طالبة في كلية الإعلام في جامعة عجمان، تقول: أرجع هذه الأمور للقسمة والنصيب، وأرفض اللجوء لمثل هذا المشروع لكي أتزوج، ومن الأفضل أن يأتي العريس من العائلة أو الأهل أو العمل أو من خلال الأعراس كما هو متبع في عاداتنا، لكن ذلك لا يمنع أن المشروع جيد ويسهم في تقليل نسبة العنوسة في المجتمع الإماراتي، ويؤكد أن الدولة تنظر إلى جميع مشكلات المجتمع بالاعتبار وتحاول أن حلها، خاصة في ظل ارتفاع المهور .
وتوافقها الرأي زميلتها بثينة طالب المعولي، وتقول: نتمسك جيداً بعادتنا وتقاليدنا التي ترفض مثل هذا الأسلوب في الزواج، وأعتقد أنني سأستمر في التفكير في هذا الأسلوب مادمت في العشرينات ولم يفتني قطار الزواج، وربما يتغير تفكيري إذا وصلت سن الثلاثين .
وتتمسك هاله الحماد، طالبة في كلية الترجمة، بالعادات والتقاليد التي تحدد للأهل اختيار العريس الذي يرونه مناسباً لابنتهم، وتقول: مازلنا نعيش في مجتمع خليجي له عاداته وتقاليده التي تحكمه ولا يمكن التجاوز عن ذلك، وهذا لا يمنع أنه عندما يرى الأهل العريس أن أعبر عن رأي فيه إذا كان يناسبني أم لا، لكن من المستحيل اللجوء إلى الخطابة أو مثل هذا المشروع عند الارتباط .
ويرفض ماجد حسن، طالب في كلية تقنية المعلومات في جامعة الإمارات، التعامل مع المشروع، ويقول: كيف أقبل أن أتزوج فتاة من خلال بيانات ولا يكون عندي أي فكرة عن طباعها وعادتها؟ أرحب باختيار الأهل وأرى أنه الأفضل لأنهم يعرفون عادات الفتاة التي سيخطبونها لي والتي بالطبع ستكون متوافقة مع طباعي .
وعلى العكس من ذلك، تؤيد كلثم محمد، الطالبة في جامعة زايد، هذا المشروع، وتقول: ليس فرضاً على الفتاة الإماراتية الزواج من العائلة فهذا إلى حد ما ساعد على انتشار الأمراض الوراثية، ولابد من أن نتطور فإذا كنا في الماضي نصر على أن يأخذ الشاب بنت عمه فقد أدركنا الآن وأدرك الأهل خطأ هذا القرار الذي نجم عنه مشاكل وراثية كثيرة .
وترى عائشة أحمد، معلمة تربية إسلامية في الشارقة، أن اختيار الأهل دائماً يكون هو الصحيح لأنه يكون لهم بعد نظر، وتجد أن مثل هذه المكاتب ستقطع الأرحام .
تقول أم سلطان علي، ربة منزل: إنشاء مكاتب خطبة حكومية أمر جيد يسهم في تخفيف حدة العنوسة بين الفتيات، فهناك أسر عديدة ليس لديها علاقات واسعة، وبذلك لا تتمكن فتياتها من التعرف إلى الشباب فيها، فتظل هؤلاء الفتيات لا يعلم عنهن أحد حتى يفقدن الفرصة في الارتباط، وهناك أسر ترفض الفتيات فيها الارتباط من العائلة، فيكون من الأفضل والأكرم البحث عن أزواج لهن بطرق محترمة وأكثر مصداقية .
فهد الحمادي، مهندس في شركة بترول الوطنية، يقول: هذه الفكرة جيدة ومقبولة في مجتمعنا في الوقت الحالي، ربما لو كانت طرحت قبل سنوات لقوبلت بالرفض، ولكن الآن تغيرت أفكار الشباب من الجنسين .
وتؤيد أم فاطمة عبدالله، سكرتيرة في مدرسة في الشارقة، وجود مكاتب للخاطبة تابعة لحكومة دبي، وتقول: هي فرصة لكثير من الفتيات اللاتي ليس لديهن معارف أو عائلات، وأرفض بشكل قاطع زواج أي من الطرفين سواء الشاب أو الفتاة من أجانب .
وتوافقها حصة علي، موظفة في دبي، وتقول: أصبحت قلة المعارف الأسرية في مجتمعنا هذه الأيام مشكلة كبيرة تؤرق الأسر التي لديها فتيات على وشك الزواج ولا يعلم أحد عنهن شيئاً، لذلك يعد هذا المشروع من أفضل المشروعات في التقريب بين الأسر .
ويوافق أيضاً عبدالعزيز خليفة، مهندس في طيران الإمارات في دبي، على وجود هذه المكاتب مادامت ستكون أمينة على أسرار الشباب ولديها مصداقية في البيانات التي سيقدمها كل طرف للآخر من خلال بحثها عنها والتأكد منها . يقول: أصبحت العلاقات الأسرية ضعيفة ولكني مع ذلك أؤمن بأن الزواج يشترط فيه القبول فإذا لم يعجب الشاب بفتاة مواطنة فلديه كل الحق أن يتزوج من أجنبية .
حمد حميد عبيد، موظف في حكومة أبو ظبي، يقول: أؤيد هذا المشروع وأشجعه فلدي أصدقاء كثيرون يعانون هذه المشكلة ولا يجدون الفتاة المناسبة، ففي إطار هذا المشروع ستكون الفرصة أمامهم أكبر للاختيار، بينما أرفض بشكل قاطع زواج الشاب من أجنبية فلدي أخوات، وأتمنى أن يجدن العريس المناسب المواطن ولا يلجأن للبحث عن آخرين، ومشكلة الزواج من أجنبيات ترجع إلى غلاء المهور، فطلبات الزواج كثيرة ولا يملك الشباب المال الكافي للوفاء بكل الالتزامات المطلوبة عند زواجه من مواطنة .
* * *
الخاطبة الإلكترونية أحدث صور التقريب
بيوت تؤسس على الإنترنت
انتقلت التكنولوجيا الحديثة إلى كل شيء في حياتنا، فلم تعد الإنترنت مقتصرة على البحث عن معلومات وعمليات البيع والشراء، بل امتدت أيضاً للبحث عن فرص للزواج . وهناك العديد من المواقع الإلكترونية التي تقدم هذه الخدمة للشباب، سواء من خلال استخدام الموقع وسيطاً بين الشاب أو الفتاة ومكاتب الخطابة التي تضع اسمها وبياناتها على الإنترنت، وكذلك نموذج لطلب يستطيعون من خلاله التقديم من خلال الشبكة . وأحياناً توفر بعض المواقع خدمات التعارف بين الشباب، فيكتب الراغبون في الزواج المواصفات التي يطلبونها في شريك الحياة .
أم محمد، خطابة إماراتية وصاحبة موقع النسر للزواج الشرعي، ولديها مكتب بالاسم نفسه في إمارة رأس الخيمة، تقول: قمت بتأسيس المكتب وأخريات من زميلاتي المواطنات، وكلنا نعمل في المجال التربوي، فلدي خبرة 26 عاماً في هذا المجال، لكنني قررت منذ 4 سنوات التفرغ للعمل الخاص وفتح مكتب للزواج، ولدينا هدف واضح هو إنشاء أسر سعيدة، ومنذ تأسيسه استطاع المكتب تحقيق نجاح كبير وجذب عدد كبير من الراغبين في الزواج سواء من خلال التقدم المباشر أو التسجيل على الإنترنت، والمكتب مرخص بمزاولة المهنة من وزارة الشؤون الاجتماعية .
تضيف: لدينا عدد من العاملين في المكتب منهم مَنْ يتلقى الطلبات تليفونيا ومنهم من يفحص الطلبات المقدمة من خلال الموقع على الإنترنت، ونعرف مدى جدية الشخص من خلال دفعه للرسوم المستحقة وإحضار الأوراق المطلوبة ومنها صورة جواز السفر وخلاصة القيد (الجنسية)، فإذا كان الشاب المتقدم عازباً تكون خلاصة القيد مع والده، أما إذا كانت معه فنعرف أنه كان متزوج من قبل أو لديه زوجة أولى، وكان الهدف الرئيسي الذي نسعى إليه من خلال المكتب هو تشجيع زواج المواطنين من مواطنات والقضاء على زواج المواطنين من أجانب والمساهمة في الحد من ظاهرة العنوسة وتعزيز مبدأ الشراكة المجتمعية مع الحكومة، وكل هذه الأهداف موجودة على الموقع على الإنترنت، كما يوجد أيضاً مكان مخصص لملء البيانات والتسجيل، والمكتب فتح المجال للوافدين من جميع الجنسيات . وتوضح أنه يتم تحصيل رسوم قدرها 1000 درهم عند بداية التسجيل، و4000 عند عقد القرآن وذلك بالنسبة للمواطنين، ومبلغ 500 درهم عند التسجيل و2500 درهم عند عقد القرآن بالنسبة للجنسيات الأخرى . وتقول: لا يتوقف دورنا عند عقد القرآن، لكننا نتواصل مع الزوجين ونقدم لهما النصائح والاستشارات الأسرية ونتواصل معهما لحل أي خلاف قد يحدث بينهما .
أم سعود، أول خطابة إماراتية في الشارقة، وتعمل في هذا المجال منذ 21 عاماً ولديها موقع على الإنترنت، تقول: أسير على النمط التقليدي القديم لأجدادي، حيث أستقبل طلبات الراغبين في الزواج الموطنين والوافدين، ويمكن تقديم الطلبات من خلال الموقع على الإنترنت، حيث يوجد عليه الشروط اللازمة في مقدم الطلب وتشمل صورة شخصية وصورة جواز السفر والرسوم المبدئية وتقدر بمبلغ 1000 درهم لضمان صدق المقبلين على الزواج وجديتهم، ومن لم يستطع الحضور يقوم بإرسال النقود من خلال مكتب صرافة أتعاقد معه، كما أطلب البيانات الكاملة وأقوم بدراستها، وتشمل الوظيفة والعمر والسكن والحالة الاجتماعية، وإذا كان المتقدم سيتزوج للمرة الثانية أسأل عن الإمكانات المقدمة للزوجة الثانية . . ولديّ 14 موظفاً من الرجال والنساء يقومون بفحص الطلبات والتأكد من صحتها .
تضيف: كنت في الماضي أقوم بتزويج المواطنين فقط، حيث تعلمت المهنة عن جدتي وكانت تأتي إليّ كثير من الأسر التي تطلب مني أن أبحث لابنهم عن عروس، ومن خلال علاقاتي المتعددة مع معظم الأسر أبحث عن فتاة تناسب شروط الشاب التي يريدها في زوجته، وعندما أجدها أخبر أسرته، ثم أخبر أسرة العروس بأن هناك شاباً يريد الزواج منها، وعند الموافقة يتجهون إلى بيت العروس لخطبتها، أما الآن فالوضع اختلف، ونظراً لتأخر سن كثير من الفتيات المواطنات تقبل كثيرات منهن الارتباط بمتزوج ما دامت إمكانات الزوج ميسرة وتؤهله للوفاء بنفقات البيتين، وأهم ما يشترطنه هو أن يكون الزوج على دين وخلق ويقدر الحياة الزوجية، ومنهن مَنْ تشترط ألا يتزوج الثالثة إلا إذا قصّرت في طلب من طلباته، ويبلغ متوسط الطلبات التي تأتيني يومياً من المواطنين نحو عشرة طلبات، وجميعهم يقبلون عليّ لأني أتبع الطريقة القديمة في الزواج وليس لدي مكتب، لكني أستقبلهم في بيتي . ويحدد الرجال المتقدمون مجموعة من المواصفات منها عمر العروس وهل هي مطلقة أم أرملة أم لم يسبق لها الزواج؟ وإذا وجدت طلبه يناسب أياً من الطلبات الموجودة لديّ أقوم بالاتصال بها وتحديد موعد الرؤية والتي تكون في بيتي، وإذا وجدت طلباً وأعرف له عروساً غير مسجلة بياناتها عندي أقوم بالاتصال بها، وإذا حدث قبول بين الطرفين ينتقل اللقاء الآخر إلى بيت العروس وأشاركهم في كل مراحل الزواج، وأشترط على العروس عدم المغالاة في المهر بحيث تكون كل المصاريف التي سيتحملها الزوج 100 ألف درهم، لأني أحارب غلاء المهور . وعند عقد القران أخذ 5000 درهم بقية المصاريف . وبالنسبة لموقعها على الإنترنت، تؤكد أم سعود أنه يتلقى يومياً أكثر من 15 طلباً من خلال التسجيل الإلكتروني .
بينما على موقع يباب دوت كوم نجد إعلاناً عن موقع آخر للخطابة فاطمة المنصوري وهي إماراتية وتطلق اسم الفريج للزواج الشرعي على موقعها، وتعلن خلاله عن بعض الخدمات المقدمة للراغبين في الزواج والذي يتم طبقا للعادات والتقاليد الإماراتية، ومنها تقديم دورات توعوية، وتوفر من خلال الموقع إمكانية تسجيل البيانات وملء الطلب الخاص بالتقديم، وتؤكد أنه لا رسوم عند بداية التسجيل ولكنها تأخذ مبلغ 3000 درهم من العريس و2000 من العروس عند عقد القران، وتشير إلى خبرتها في التعامل مع مختلف العوائل في إمارات الدولة . وهناك موقع آخر يسمى موقع زواج الإماراتيين وهو مخصص للمواطنين الذين يبحثون عن شركاء حياتهم، مع الأخذ في الحسبان العادات والتقاليد الإماراتية .
* * *
العائلة والقبيلة والفريج مجتمعات الاختيار قديماً
إلى وقت قريب كان الزوجان لا يلتقيان إلا ليلة الزفاف، وبمرور الوقت تغير الوضع قليلاً فصار يسمح للشاب المقبل على الزواج برؤية الفتاة التي اختارها له الأهل لمرة واحدة فقط، وهي إما من نفس عائلته أو من الفريج الذي يسكن فيه، ولا يتدخل الشاب أو الفتاة في تفاصيل الزواج ويترك للأهل الاتفاق عليها، كما كان يوجد في كل فريج خطابة تعرفها الأسر وتلجأ إليها إذا تعذر عليها إيجاد عروس مناسبة . في هذه السطور، نستعيد أجواء الخطبة في الماضي لمعرفة ما بقي منها مع الأشكال الجديدة .
فاطمة راشد، ربة منزل، تقول: كانت النساء يحضرن إلى بيت أم العروس ومعهن الخطابة التي كانت تقول لأم العروس إنها اليوم جاءت في طلب ولا تريدها أن ترده، فتطلب منها أم العروس أن تدخل في الموضوع مباشرة، ثم تطلب يد ابنتها، وتخبرها أم العروس أنها سترد عليها بعد أسبوع، وتحضر لهن العشاء وتكرمهن، ثم تخبر زوجها ويسألون عن العريس وأخلاقه وسلوكياته، وبعد الموافقة، يزور الرجال من أهل العريس بيت العروس ويتفقون على موعد الزفاف، ويتم ذلك كله من دون أخذ موافقة العروس، ويقدم العريس المهر وكان يقدر في ذلك الوقت ب 200 روبية، ويقيم أهل العروس الولائم واللحم للجيران لمدة ثلاثة أيام، ويحضر العروس الذهبة وكانت تقدر وقتها ب 50 غراماً من الذهب، و5 كندورات ومثلها من السراويل، وغيرها من ملابس العروس، ويحمل مجموعة من النساء الصندوق الذي يشمل ملابس وذهبة العروس ويطلعون الجيران عليه، ثم تزف إلى بيت العريس ولا تكون الخطبة أكثر من 10 أيام . تضيف: تزوجت في 1972 وكان مهري في ذلك الوقت 5000 ريال قطري، والآن مهر العروس يقدر ب 20 ألف درهم والمؤخر 30 ألفاً .
استئذان أولاد العم من أهم الأشياء التي يقوم بها أهل العروس إذا تقدم لها عريس من خارج العائلة، ويحظى العريس بالموافقة الفورية إذا كان من نفس القبيلة، هذا ما تؤكده فاطمة راشد خليفة الشامسي، ربة منزل، وتقول: لم يكن في أيامنا خطوبة بالمعنى المعروف، وكان هناك فقط الملج والعرس، والملج هو عقد القرآن، أما العرس فهو يوم ذهاب العروس إلى بيت زوجها، وبعد طلب أهل العريس للفتاة يتم سؤال ولد عمها إذا كان يريدها أم لا، فإذا قال إنه يريدها لنفسه، يتم رفض طلب العريس المتقدم، وإذا قال لا، يقبل العريس ويحظى بموافقة سريعة إذا كان من نفس القبيلة، ويبدأ الأهل في تحديد موعد الزفاف وتقام الولائم ويتم إطعام الجيران لمدة ثلاثة أيام، ثم تنتقل العروس إلى بيت زوجها بعد أن يشتري لها الذهبة والعطور والثياب .
تقول أم أحمد، ربة منزل، ولديها أربعة أبناء - بنت وثلاثة أولاد - متزوجون جميعاً عن تجربتها مع زواج أولادها: كانت والدة الشاب وهي من الجيران تزور بيتي - وترى العروس - وترجع إليه وتحكي له عنها وعن أدبها وأنها بشوشة، وتقترح عليه أن تخطبها له، وتعود لبيت العروس مرة أخرى وتخطبها له ولم يكن يراها ويتم الاتفاق على كل شيء مع أهلها، ولم تكن هناك فترة خطبة طويلة، فالزفاف كان يتم بعد شهر على الأكثر، وخلال هذه المدة يحضر لها العروس الذهبة وكانت تقدر بنحو ثلاثين أو أربعين ألف ريال قطري، وتشمل مصباح زايد وكرداناً على الصدر ومرية بحروف وطاسة، لأن الذهب كان رخيصاً وقتها فكان يملأ منه حقيبة، ويحضر لها 20 مخوراً و20 ثوباً وعباءتين، ويحضر لها حقائب عطور، وهي تقوم بتخييط الثياب المطرزة التي تملأ 4 أو 5 حقائب . تضيف: كان العريس يعقد على عروسه يوم الجمعة التي تسبق الزفاف، وكان لابد من أن يكون من العائلة ونادراً ما يكون من الجيران، فكان لابد أن تتزوج من ابن العم أو ابن الخال أو ابن العمة، والآن اختلف الوضع وصار الطرفان يلجآن للزواج من خارج العائلة .
أم علي، إماراتية، ولديها 4 أولاد و4 بنات متزوجون جميعاً، تقول: الخطبة في الماضي كانت تتم بين الأهل والجيران، وبالنسبة لأولادي فمعظمهم متزوجون من العائلة لتقوية صلة الرحم، وقليل منهم متزوج من الجيران، فكان الرجال يقررون عند ولادة الطفل أنه سيكون من حق فلانة، وعندما يكبرون نزوجهما، أو أذهب إلى بيت واحدة من جيراني وأرجع فأخبر الزوج أنني وجدت عروساً جميلة في هذا البيت وأحكي للابن فيطلب أن أخطبها له، فأفعل . ويتم تحديد فترة الزواج بعد أسبوعين من الخطوبة حتى تنتهي العروس من تجهيز ملابسها، ويحضر لها العريس الذهب والملابس ويعطيها أموالاً فتشتري بها عطوراً وثياباً، وتذبح الذبائح ثم يذهب لإحضارها لتعيش بيننا .
فاطمة المغني، باحثة في التراث الإماراتي، تقول: كانت خطبة الفتاة وزواجها في المجتمع الإماراتي قديماً يعتمدان على الجيران، ولم تكن المفاضلة على أساس المال وإنما على أساس السمعة الطيبة، كما لم يكن هناك مكاتب خطابة أو مواقع إنترنت كما هو الآن، فكان الاعتماد الرئيسي على إشادة الجيران بسمعة العائلة وأخلاق الفتاة، وكان الاتفاق يتم بالكلمة، ولم تكن بدفع الأموال كما هو الآن، كما كانت فترة الخطوبة لا تزيد عن ستة أشهر على أقصى تقدير وذلك لأن تجهيز العروس كان بسيطا وتقوم النساء في العائلة والجيران بمساعدة الأم في خياطة ملابس الفتاة . تضيف: لم يكن يسمح للشاب برؤية الفتاة قبل العقد عليها ولكنه كان يلمحها عند بئر ماء أو يبقى في مخيلته بعضا من ذكريات الطفولة عندما كانا يلعبان سويا، ولم يكن الزواج يكلف أكثر من ثلاث ذبائح على الأكثر، وكان هناك قناعة بالقضاء والقدر وهناك فتيات كانت تتم خطبتهن من سن 9 سنوات ومنذ هذه السن تبدأ والدتها في تعليمها أبجديات الحياة الزوجية، والآن صار للبنت رأي في اختيارها لشريك حياتها، وتعددت الوسائل التي من الممكن أن يرى بها كل منهما الآخر، وأصبحت الرؤية الشرعية أساساً لموافقة الفتاة على العريس .
فاطمة صفر، مشرفة التراث والفنون في جمعية الاتحاد النسائي في الشارقة، تقول: الشكل التقليدي المتبع في الزواج في الماضي كان يقتصر على زيارات الأهل لبعضهم، وإذا رأت والدة العريس عروساً مناسبة لابنها في أحد البيوت التي تقوم بزيارتها تخطبها له، ولا يجوز أن يرى الشاب الفتاة إلا في ليلة الزفاف، ويكون الاتفاق على المهر وكافة تفاصيل الزواج بين أهل الطرفين، ولم يكن هناك مبالغة في المهور ونفقات الزواج كما الوضع عليه الآن، وكان الجيران يلعبون دوراً مهماً في مساعدة العروسين المقبلين على الزواج، فمنهم من يخيط للعروس ملابسها ومنهم من يساعد في إعداد المأكولات في ليلة العرس، أما الآن فالوضع اختلف وأصبح الشاب من حقه أن يرى الفتاة مرة واحدة ويقول رأيه فيها قبل الزواج منها .
وتوافقها الرأي خديجة محمد علي، موظفة في الشارقة، وتقول: اختلف شكل الزواج هذه الأيام، فقديماً كانت الفتاة عندما تبلغ يمنعها الأهل من اللعب مع بقية أصحابها في الفريج، ويبدأون تهيئتها لاستقبال العريس المناسب، ويبدأ الجيران بالسؤال عن عروس لابنهم، ويلجؤون للخاطبة الموجودة في الفريج وتختار لهم إحدى الفتيات، فتذهب أم العريس لبيتها لتراها، ولم يكن للشاب أي رأي في مسألة الزواج، وكان الاعتماد الأساسي على رأي الأهل فإذا أعجبوا بالفتاة يخطبوها لأبنهم، ولم يكن الشاب يراها ويستمر الاحتفال بالزواج لمدة ثلاثة أيام وتجلس العروس في بيت أسرتها لمدة أسبوع وتأتي سيدة تقوم بتجميلها وتمشيطها ثم تذهب لبيت العريس ويستقبلونها بوليمة كبيرة لها ولأهلها، والآن اختلف شكل الزواج فإذا تقدم العريس للزواج من أسرة فتاة فيحق له أن يراها مرة واحدة قبل الاتفاق على الزواج، أما إذا كانا يعرفان بعضهما بعضاً كأن يكونا زميلين في مكان العمل أو في الدراسة فيتفقان بنفسهما على ترتيبات الزواج ثم يتم تحديد موعد ليتعارف الأهل، وإذا لم يرض أهل العريس بالفتاة وأخذها الولد من دون رضاهم يتحمل نتيجة اختياره بنفسه ولا يتدخل الأهل في هذه الزيجة . تضيف: عملت لفترة في مجال التوفيق الشباب من دون مقابل حباً في كسب الثواب، فعندما تأتي إلي إحدى الأمهات وتخبرني عن عروس لابنها أخبرها أن هناك عروساً في بيت فلان أو من عائلة فلان ومن الممكن أن يتوجهوا إليها ولكن نظراً للمشكلات التي تحدث بين الزوجين فضلت عدم الاستمرار في ذلك لأنه إذا كان الزوجان يعيشان في هناء وسعادة لا يذكراني على الإطلاق وإذا حدث بينهما خلاف يلعنان مَنْ كانت السبب في تعارفهما .
الإرث والروابط الأسرية
عن شكل الخطوبة في الماضي تقول د . فاطمة الصايغ، أستاذة علم المجتمع الإماراتي: لا يوجد خطوبة بالمعنى المعروف في الإمارات كما هي في المجتمعات العربية الأخرى، ففي الماضي لم يكن بإمكان الشاب أن يرى الفتاة وكان الاتفاق على الزواج يحدث بين الأسرتين، ولم تكن هناك حالات طلاق كثيرة، كما هي الآن بسبب عدم وجود إعلام أو إنترنت، وكان كلا الطرفين يبذلان أقصى ما في وسعهما ليتقبل كل منهما الآخر، وقليل من الأسر هي التي تسمح بالرؤية الشرعية وتجعل الطرفين يتبادلان الحوار ليتعرفا إلى بعضهما بعضاً أكثر، ومع ذلك لم يكن هناك الحرية الكافية في الاختيار، وكانت معظم الزيجات تعتمد على الأقارب والأسرة بشكل كبير، وذلك إما حفاظاً على الإرث المادي أو الروابط الأسرية . أما الآن فمن الممكن أن يتقابلا في العمل ويتعارفا . ومن الأسباب التي أدت إلى تفاقم مشكلة العنوسة، في رأيها هي وجود زيجات تحدث من دون رضا الأهل، فهناك نحو 700 مواطنة تزوجن من أجانب في العام الماضي فقط، وتلجأ الفتاة إلى ذلك بسبب عدم وجود التوافق الثقافي أو الفكري أو النفسي مع المواطن وتكون تعدت الثلاثين من العمر فتضطر لمثل هذا الزواج، كما أن الشباب من المواطنين يفضلون دائما الفتيات صغيرات السن ويكون ذلك شرطاً أساسياً عندهم في الزواج، وتقول: أرى الآن في الجامعة شباباً في سن 20 وحتى 25 أغلبهم متزوجون، بينما الفتيات في مثل هذا العمر نسبة ضئيلة منهن المتزوجات، وهذا على عكس ما كان موجوداً في السنوات العشر الماضية، لذلك كان لابد من البحث عن وسائل ومبادرات لتشجيع الطرفين للزواج من بعضهما بعضاً ومنها مشروع بناء الذي تنفذه هيئة تنمية المجتمع حالياً .