الكيان الصهيوني
اعتبر البعض الميثولوجيا نوعاً من الفلسفة، لذلك أصبحت موضوعا للبحث والدرس والتحليل من قبل المؤرخين الفلاسفة وعلماء النفس باعتبارها معرفة غاية في الثراء والتعقيد، وبالغة الأهمية في دلالاتها كإبداع جمعي شعبي عرفته المجتمعات الإنسانية طوال تاريخها.
ورغم ذلك فإن المؤرخين تخلفوا عن نظرائهم في المجالات المعرفية الأخرى، في الإفادة من الميثولوجيا في دراسة التاريخ، فقد اعتبرها البعض بضاعة فجة أسهمت في تشويه التاريخ، بعد اختلاط الوقائع بالأساطير، والأنكى اعتماد البعض الآخر تلك الرواية الأسطورية كحقائق تاريخية في حد ذاتها.
من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أنجزها د.محمود إسماعيل تحت عنوان الأسطغرافيا والميثولوجيا وصدرت في كتاب عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة حيث تستهدف الدراسة عدة غايات منها: اعتبار الميثولوجيا مصدراً تاريخياً بكراً يمكن التعويل عليه بعد الفحص والنقد والتثمين، استرشادا بتجارب الأنثروبولوجيين وعلماء النفس والاجتماع في هذا الصدد.
ومن أهداف الدراسة أيضا محاولة تطبيق المنهج التاريخي المقارن في دراسة الميثولوجيا من خلال الوقوف على تاريخيتها وذلك بالكشف عن الواقع الذي أفرزها، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
يتضمن الكتاب عدداً من الدراسات الخاصة بتاريخ بلاد المغرب في العصر الإسلامي، جرى إعدادها بهدف المشاركة في مؤتمرات خاصة بالتاريخ والتراث العربي الإسلامي، وعلى الرغم من اختصاص فصول الكتاب بتاريخ المغرب الإسلامي وتراثه فإن معالجتها جرت وفق رؤية الكاتب د.محمود إسماعيل التي تعول على وحدة التاريخ والحضارة العربية والإسلامية، دون إغفال المعطيات الإقليمية الخاصة، إذ يعتقد الكاتب أن تلك الخصوصيات عامل إثراء لهذا التاريخ وتلك الحضارة.
يعالج الكتاب عدة مسائل، بعضها يتعلق بالتاريخ العياني استنادا إلى المصادر التاريخية التقليدية وفق منهج الكاتب ورؤيته المستوحاة من النظرية المادية التاريخية، ويعرض البعض الآخر لدراسة موضوعات تاريخية وتراثية استنادا إلى مرجعيات ميثولوجية. ويهدف المؤلف من الجمع بين النقيضين إلى إبراز حقيقة نسبية مصداقية التاريخ التقليدي، برغم تشدق كتابه بدعاوى الحياد والموضوعية، كذلك إثبات أهمية الميثولوجيا كمصدر مهم وصمام أمان لتصحيح ما زيفه المؤرخون التقليديون، أو ما سكتوا عنه لأسباب أيديولوجية معروفة، وذلك تأسيسا على اقتناع مفاده أن الميثولوجيا نتاج واقع تاريخي عياني وقع بالفعل، جرى التعبير عنه بالخيال الشعبي بما ينطوي عليه من صدق، وما يدل عليه الوجدان الجمعي من طموحات أو انكسارات.
وكان لدى المؤلف اهتمام بتقديم تعريف نظري للميثولوجيا شرح كيفية التعامل معها منهجيا، مفيدا من تجارب علماء السوسيولوجيا والفولكلور، في محاولة التعامل معها كمصدر تاريخي ثري، جرت مقارنة محتواه بالروايات التاريخية التقليدية، لإثبات هذا الثراء المعرفي من جهة، وكيفية مقاربته منهجيا من جهة أخرى.
ويتوقف المؤلف أمام تأسيس بعض الحواضر الإسلامية، التي قامت على الميثولوجيا، فقد تم تخطيط تلك المدن وفق شروط محددة كصلاحية المكان للعمران وتوافر المياه والحماية الطبيعية، وقد عكست الميثولوجيا تلك الشروط عينها، فقد أسهم المنجمون وقراء الطالع في اختيار الأماكن، حسب ما تنبئ به النجوم عن المستقبل السعيد لسكان المكان.
ويعترف المؤلف بأن تلك المدن أقيمت لأغراض عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، لكنه يركز على ثلاث مدن ثم تأسيسها في المغرب وهي سجلماسة التي أسست عام 140 هجرية لتكون عاصمة دولة بني مدرار، وتاهرت التي أسست عام 161 هجرية، لتكون عاصمة دولة بني رستم، وفاس عاصمة الدولة الإدريسية.
ارتبطت المدينة الأولى بأساطير إغريقية، تزعم تأسيسها على يدي الإسكندر الأكبر، أما الثانية تاهرت فالأسطورة تقول إن المكان كان جيد الهواء كثير الماء، بحيث نمت الأحراش والغابات، التي سكنتها الحيوانات الضارية، وكيف نادها ابن رستم بمغادرة المكان خلال أيام ثلاثة، فاستجابت له، وخرجت تحمل صغاراً في أفواهها.
أما الأساطير التي ارتبطت بتأسيس مدينة فاس، فهي كثيرة، ومعظمها كرامات مستوحاة من حقائق التاريخ وبعضها مقتبس من الأساطير الخاصة ببناء بغداد، فضلا عن نبوءات ذات أصول يهودية ونصرانية وإسلامية منها أن أحد رهبان النصارى أخبر إدريس الثاني حاكم المغرب بأن رجلا من آل البيت يسمى إدريس سيؤسس مدينة مباركة، لتكون حاضرة ملك.
أما عن سبب تسمية الحاضرة الجديدة باسم فاس فقد دارت حوله أساطير مختلفة، وكلها توحي بحقائق تاريخية، بعضها جديد، منها أن الراهب النصراني أخبر إدريس بأن الموضع المختار، كان به مدينة قديمة درست واندثرت تسمى ساف فقلب إدريس الاسم إلى فاس.
ومن هذه الأساطير أن إدريس شارك في تأسيس المدينة بنفسه، فكان يحفر أساسها بفأس من ذهب وفضة، وتنطوي هذه الأساطير وغيرها على الكثير من الحقائق التاريخية، منها أن المكان كان معمورا من قبل، وتعتبر الفأس المصنوعة من ذهب وفضة مؤشراً إلى تجارة المغاربة مع بلاد السودان.
وبذلك تعد الميثولوجيا كما يؤكد د.محمود إسماعيل مصدراً مهماً لدراسة التاريخ، بل هي التاريخ المعبر عن الوجدان الجمعي بانكساراته وطموحاته.