قبل عدة سنوات انتشرت جلسات العلاج الجماعية، التي يتبادل فيها المرضى الذين يعانون مشاكل نفسية وصحية مختلفة، الحديث عن تجاربهم الشخصية، علها تلهم غيرهم من الذين يجدون في ظروف غيرهم القاسية، ما يُهون عليهم معاناتهم الصعبة. وإذا كان الاستماع إلى الآخرين، إحدى وسائل تجاوز العقبات الحياتية، فمن باب أولى يكون الحديث مع النفس أكثر شجاعة، عند عبور طريق الحياة الطويل المملوء عادة بالمنحنيات والمتعرجات صعوداً وهبوطاً.
أحدث الطرق النفسية المبتكرة للتحدث إلى الذات، هو كتابة رسائل إلى الذات. وهنا يصارح كل شخص ذاته بالأخطاء التي ارتكبها خلال فترة ما في حياته، عادة تكون مرحلة الشباب المبكر، فيكتب لنفسه، وهو أصغر من عمره الحالي ب 15 عاماً، لينصحها بكيفية التصرف حيال موقف ما، عادة يكون هو الأكثر تأثيراً في مشوار الحياة.
مجلة «woman's own» قدمت عدة تجارب لسيدات فضلن الكتابة إلى ذواتهن للتحدث معها، وهن أصغر بعدة أعوام، فتفاوتت النصائح بحسب المواقف التي مرت بها كل منهن وتسببت في تغيير شكل حياتها. نعرض أبرزها فيالأسطر التالية..
** «الوقت ليس متأخراً أبداً على التعلم»، كانت هذه خلاصة رسالة هيلين كوك (40 عاماً) إلى نفسها التي بدأتها، قائلة: بالتقدم في العمر يدرك كل منا أن الوقت هو الثروة الحقيقية التي نمتلكها، وأن الندم الحقيقي الذي يعترينا عندما نكبر يكون على إهدارنا شهوراً وسنوات من دون تحقيق إنجاز يذكر. وأضافت: عدم إبداء الاهتمام الكافي بالانتظام في المدرسة، وحضور الصفوف، ومتابعة شرح المعلمين لن يؤدى إلّا إلى الفشل، وهو ما حدث معي عندما حصلت على تقديرات متأخرة جداً في شهادة الثانوية، ووجدت نفسي أنتقل لعدة سنوات بين مهن متواضعة لعدم امتلاكي أية مهارات حقيقية، أو مؤهلات مميزة.
حددت كوك مشكلتها بصراحة في رسالتها إلى ذاتها عندما أشارت إلى أنها كانت «بلا حلم»، بمعنى آخر، لم يكن لديها أهداف تسعى إلى تحقيقها، كل ما حلمت بالحصول عليه كان امتلاك حياة فارهة، من دون التفكير في كيفية الوصول إليها. وواصلت رسالتها قائلة: لم أتوقع أن جولة تسوق عادية فى عطلة نهاية الأسبوع ستغير حياتي إلى الأبد، وأنا على عتبات 26 عاماً. يومها كان المتجر مزدحماً، وخلال انتظارنا في طابور الدفع سمعت امرأة تتحدث على الهاتف تبحث عن طاهٍ، ينضم إليها في النزل الجديد الذي افتتحته، وفجأة تحدثت إليها عارضة عليها العمل معها.
وأضافت: لم يخطر ببالي قبل اليوم أن أعمل طاهية، ولم تكن المهنة التي حلمت بها يوماً، لكن قلت لنفسي إنني لم أحلم يوماً بأن أصبح محامية، أو طبيبة، فما الضير في أن أصبح طاهية؟ وسريعاً تعلمت عشرات الوصفات، وبدأت الأطباق التي أعدها تلقى استحسان الجميع.
وبعد مضي أكثر من 12 عاماً على امتهان كوك للطهي، ذاع صيتها، وحققت ثروة مكنتها وزوجها من امتلاك منزل صغير، في إحدى ضواحي «سوري» البريطانية. وعن ذلك قالت: بالتقدم في العمر يكتشف الإنسان المعنى الحقيقي للثروة التي يجب عليه العمل على امتلاكها، في الماضي حلمت بمنزل فاخر، وسيارة فارهة، ورحلات إلى الشواطئ الإسبانية. أمّا اليوم فالثروة الحقيقية تعني استقراري مع زوجي وطفلتي.
أمّا أهم الخطوات التي بدأتها كوك بعد ذلك، فكانت عودتها إلى الدراسة مرة ثانية، حيث تدرس للحصول على شهادة في الخدمة الاجتماعية، مؤكدة لنفسها ولغيرها أنه لا يوجد وقت متأخر أبداً على التعليم.
** كيري سميث 39 عاماً من "تشيشاير" البريطانية، حين اختارت تقديم رسالة مختصرة عن تجربتها الحياتية، قالت: نعيش حياة واحدة، ونستحق أن نكون سعداء. بدأت كيري رسالتها إلى نفسها، وهى مراهقة، وكتبت قائلة: عزيزتى كيري، كنت مراهقة صغيرة حالمة بالزواج من أمير أحلامك، القادر على حل مشاكلك، وتوفير حياة هانئة. دائماً كنت تحلمين بتكرار نجاح شقيقتك الكبرى كلير، التي وفقت في العثور على فارس أحلامها، وعمرها 18 عاماً، لكن الحياة عموماً تخبرنا كل يوم أن جميع الأحلام ليست قابلة للتحقق.
نجحت كيري فى إتمام دراستها الجامعية بالمحاسبة، وعملت باجتهاد للترقي في أحد المكاتب الشهيرة، وتزوجت من زميل العمل، ولم يتجاوز عمرها 26 عاماً، وبدت أمام الجميع سعيدة بحياتها العائلية، وعائلتها الصغيرة التي تضم طفلين جميلين، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، كما أفصحت في جزء من رسالتها إلى نفسها.
قالت: بعد مرور 10 سنوات من الزواج، اكتشفت صحة المقولة التي ترى أن التعاسة اختيار، كما أن السعادة قرار. وهنا كان لزاماً عليّ التوقف أمام علاقتي بزوجي التي لم تكن على المستوى المأمول. ويوماً بعد الآخر اتسعت المسافة بيننا، وانشغل كل منا بعمله الذي يقضي به ساعات طويلة، ولم نعد نجتمع معاً كما تعودنا أول سنوات الزواج. وأضافت: لم يكن اتخاذ قرار الانفصال سهلاً، لكن مع اقترابي من الأربعين كان لابد من إعادة تقييم الحياة، بشكل يساعدني على المضي بسعادة، وبعد عدة أسابيع من الانفصال بدأت تجاوز آلام محنة الطلاق، وتعود الاعتماد على النفس، والتخطيط لحياة أكثر هدوءاً.
** معاناة هيثر نوبل، من سرطان الثدي، كانت الرسالة الأكثر تأثيراً، وفيها نصحت الجميع قبل نفسها باقتناص كل لحظة في الحياة القصيرة، ولخصت نصيحتها في جملة واحدة: «توقف عن القلق».
بدأت هيثر رسالتها لنفسها، وهي أصغر بنحو 20 عاماً، قائلة: عزيزتي هيثر، دائماً كنت تعانين القلق من مظهرك أمام الآخرين، وتنفقين الساعات في جولات التسوق لاختيار أفضل الملابس، وكنت دائمة الشكوى من قصرك، وتبحثين عن الأحذية ذات الكعب العالي. توقفي عن القلق فوراً، واستمتعي بحياتك، فما ينتظرك في الأربعين أصعب من قدرتك على تصوره.
في الأربعين عانت هيثر السرطان، واحتاجت إلى جلسات العلاج الكيميائي، وتساقط شعرها وتهاوت قوتها، وعن ذلك كتبت في رسالتها: عندما يحل بنا المرض نكتشف كم من الوقت الثمين أضعناه في تذمر وشكوى. حين شاهدت شعري يتساقط من حولي في المنزل بسبب العلاج الكيميائي، شعرت بأن عالمي انتهى، وأنه عليّ الاستعداد للرحيل. وعندها يكتشف كل منا منح الحياة الأهم التي نحظى بها. وهنا كان زوجي ستيوارت الهدية الأكبر التي حصلت عليها طوال سنوات عمري، فلولا مساندته ما كان بالإمكان تجاوز محنة المرض.
بعد 8 أعوام من تجاوز هيثر مرضها، سخرت من نفسها وهي شابة لا يهمها من الحياة سوى مظهرها، وكتبت لنفسها، قائلة: عزيزتي هيثر، إذا كان قصر القامة يضايقك، ارتدى كعباً عالياً ولا تضيعي الكثير من الوقت والعمر في الوقوف أمام المرآة.