الدكتور المسيري ولد في العام ،1938 واعتنى بالفكر الصهيوني منذ دراسته للدكتوراه في أمريكا في جو نكسة ،1967 بدأ مشروعه العلمي بكتاب نهاية التاريخ عام 1971 ثم المفاهيم والمصطلحات الصهيونية عام ،1975 وأرض الوعد: نقد الصهيونية السياسية ،1977 فضلاً عن دراساته حول العلمانية الغربية، والأكاذيب الإسرائيلية، والانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية، ولكنه بلغ قمة النضج العلمي في موسوعته التي بين أيدينا .
اليهود واليهودية والصهيونية عمل ضخم، بدأت بذوره الفكرية في العام 1963 عندما رأى بعينيه المشروع الصهيوني من داخل أمريكا، وبدأت بذوره العملية عندما عمل مسؤولاً عن قسم الفكر الصهيوني بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام من عام 7191 حتى ،1975 ثم بدأت ملامحه البحثية تتطور حتى صدر في العام 1999 بالقاهرة عن دار الشروق .
الموسوعة تقع في 3650 صفحة في ثمانية مجلدات من الحجم الكبير وقد استغرق البحث والكتابة نحو 25 سنة وشاركه عدد من الباحثين المعاونين، وبلغت تكلفتها ما يقرب من المليون جنيه معظمها من جيب الباحث الخاص .
تعتمد الموسوعة على المنهج التفسيري الموضوعي الجديد الذي يرصد ويحلل ويوضح الدلالة القانونية والسياسية والأخلاقية ويرصد الوثائق والمراجع برؤية نقدية عميقة . ولهذا حدد في المجلد الأول تعريفاً للمصطلحات، وفي المجلدين الثالث والرابع تحدث عن إشكاليات الظاهرة اليهودية، وفي المجلد الرابع رصد تاريخ الجماعات اليهودية، ثم توقف أمام المشروع الإسرائيلي ومفكري الصهاينة والعلاقة مع اليهودية على حساب العروبة والإسلام في المجلدات الخامس والسادس والسابع . ثم ختم هذا كله بالملاحق والمراجع والتواريخ والفهارس كجزء من التوثيق والتفسير كما جاء في المجلد الثامن .
العنصرية الصهيونية
كنز بهذا العمق والضخامة يصعب الوقوف عند كل جوانبه، ولكننا سنسير مع منهج الباحث نفسه، وهو وقوفه عند التفسير والدلالة ووجهات النظر التي يقدمها في هذا الكم الضخم من الأحداث والمصطلحات والشخوص المرتبطة بالحركة الصهيونية ولماذا هي طامعة في قلب العروبة والإسلام؟
العنصرية الصهيونية من أبرز المفاهيم التي قدمتها الموسوعة عبر مئات الصفحات وقد قدمت الحركة الصهيونية نفسها باعتبارها حركة قومية تهدف العودة من المنفى الديا سابورا عبر الاستعمار الاستيطاني الإحلالي لاليهود، إذن هي نقلت المفهوم الديني إلى المفهوم السياسي الزمني لتصبح أداة للاغتصاب والنهب . هم طرحوا أنفسهم باعتبارهم فئة منبوذة تعيش على هامش الإنسانية وتستهلك قيم الآخرين . وهذا يعني أن الصهيونية وضعت نفسها في السياق العنصري منذ اليوم الأول .
ولهذا ألحقوا بالصهيونية مفهوماً عنصرياً آخر، وهو مقولة معاداة الآخرين للسامية . لقد قال هيرتزل المؤسس الأبرز للحركة الصهيونية: إن انتماءه لليهودية لم ينبع من انتمائه للدين اليهودي وإنما هو مجرد استجابة لمعاداة السامية في أوروبا القرن التاسع عشر . وقد صرح الكاتب اليهودي ستون بأن الصهيونية تعيش على الكوارث التي تحيق باليهود .
وبناء على هذا مضت في عنصريتها عبر عدد من الخطوات:
1 الاعتماد على الإمبريالية الغربية في تنفيذ المشروع الصهيوني خارج أوروبا وبدعم الصاروخ والدولار والسياسات الغربية عبر القوى الدولية، خاصة انجلترا وفرنسا وأمريكا . حيث احتفظوا على طول الخط بدورهم كقاعدة للاستعمار الغربي وكقلعة أمامية له .
2 الإيمان المطلق بقيم الصراع والمادية الداروينية المختبئة من خلال ديباجة دينية قوية ذات طابع رومانسي جذاب . ولهذا راحت تدعي أن اليهود شعب واحد، وهو ادعاء لا أساس له من التاريخ أو الواقع . كما راحت تدعي أنهم أمة عضوية مختارة من الرب! .
3 الإبادة المادية والمعنوية للآخر . وفي المشروع الصهيوني نسجت إسرائيل عشرات الديباجات التي تصادر الوجود الفلسطيني والعربي والإسلامي . فالإسلام ليس ديناً في نظرهم، ولو كان ديناً فحدوده لا تتخطى جزيرة العرب . والعرب ليسوا قومية رغم تجانسهم العرقي والديني واللغوي والجغرافي والتاريخي . ثم سوّقوا خرافة أرض بلا شعب أي فلسطين بلا فلسطينيين . وروجوا لفكرة اختزالية مفادها إنكار التاريخ أي ليس للعرب وجود وإنكار الشعب الفلسطيني وإنكار الجغرافيا الأرض صارت إسرائيلية . . وهذا هو الذي جعل الصهيونية أيديولوجية فاشية منغلقة وجعل العربي المسلم هامشياً متخلفاً مغيباً غير موجود . . وما من العرب يجب طردهم، بالتهجير أو بالتغييب، أو بالقانون وبالقوة .
الدولة الوظيفية
الدولة الوظيفية مفهوم ساقه الدكتور المسير يوضح فيه خلاصة توافق الغرب على إقامة هذه الدولة، ويفسر به كل الارتباط بين أوروبا وإسرائيل، بدءاً من فكرة الدولة وانتهاء بالفيتو الأمريكي .
توضح الموسوعة: اليهود في الذهنية الغربية لهم وظيفة دنيئة في المجتمعات الأوروبية، فعلى مدى تاريخ أوروبا كان المجتمع هناك يتأفف من بعض المهن القذرة ويحيلها إلى اليهود، مثل أعمال الدعارة والقتل والربا والاستيلاء الاستيطاني بالقوة والسطو وتجارة العبيد . . وهكذا تحولوا إلى مادة استيطانية تابعة للتشكيل الاستعماري في أنحاء العالم . حيث تبع التشكيل الاستعماري الهولندي في القرن السادس عشر وبعده الإنجليزي والإسباني . . وهو ما يفسر سر تواجدهم النسبي في الأرجنتين وسورينام وترينيداد والبرازيل .
البعد الأيديولوجي اللاأخلاقي
في الحالة الأمريكية يبرز بعد أيديولوجي أو ديني تبلور في المجتمع الأمريكي في علاقة الصهيونية بالمسيحية أو التقارب البروتستانتي المسيحي الذي ولد ما قد يعرف بالأصولية الإنجيلية والصهيونية كحركة سياسية استغلت التراث اليهودي المسيحي لتقنع بعض النصارى بأن فكرة العودة لفلسطين تعني انتصار المقدس المسيحي فيما قد يعرف باسم أيام المسيح أو الألف السعيدة، لقد صارت السياسة الأمريكية تخدم من حيث تدري أو لا تدري أرض الميعاد الصهيونية، وتحمي المنظمات الداعمة لأن إسرائيل أرض الرب التوراتية، وأن الاعتراف بالقدس تحت السيطرة اليهودية هو خدمة للمسيح .
وفي الواقع، أن هذا الكلام رغم خطورته، لا يمثل الحقيقة كلها، فالغرب في سياساته يقوم على النفعية وليس الأخلاقية، ولهذا سوف يدعم هذا الجيب الاستيطاني المسمى إسرائيل متى وجد فيه ما يحقق مصالحه الاستراتيجية الآنية والبعيدة! ولهذا لو تقدمنا نحن العرب والمسلمين ببرنامج يوفر على الغرب كلفته التي يدفعها لدولة الاستيطان الإحلالي فسوف يرفع يده عنها، وسوف يبحثون عندها عن شرعية أخلاقية للتخلي عن هذا الصديق!
ثقافة الشك والعزلة
في سياق التعريف بمصادر الخطر والخلط في الفكر اليهودي تقدم الموسوعة تقييمات تحليلية لأهم المرجعيات عند اليهود . . وفي الجزء الخامس عن اليهودية يعرف الكاتب بالتلمود باعتباره أحد الكتب المقدسة غير التوراة التي تعد شريعة شفهية وتكشف غموض ما غمض في العهد القديم . . وهو يتضمن مجادلات فقهاء اليهود، وقد تم تدوينها في العام 200 بعد الميلاد ووضعت في ستة أجزاء .
وما نستنتجه من مئات الوثائق، أن اليهود في البلاد العربية حرصوا على إخفاء التلمود وكانوا يشيعون بعض ما جاء فيه شفاهة بين العرب، وهذا ما يفسر وجود ما عرف باسم الإسرائيليات في التراث الإسلامي . وظل التلمود البابلي الذي كتبوه في بابل والتلمود الفلسطيني الذي كتبه في فلسطين حكراً على حاخامات اليهود ولم يترجم إلا في القرن السادس عشر الميلادي في ترجمة إنجليزية ثم فرنسية مع حذف بعض العبارات التي أساءت للمسيح عليه السلام .